تتجه البلاد إلى كارثة أو هاوية إن لم يقم المصلحون يعدلون المسار من جديد إلى الجادة، وإلى طريق الله سبحانه وتعالى وطريق رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، ولا بد في هذا الجو أن يظهر مصلحون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فقام رجل اسمه: محمد بن تومرت من قبائل مصمودة البربرية، وقيل: إن نسبه عربي، بل إن بعض الناس قال: إن نسبه قرشي، لكن غالب الأمر أنه من قبائل البربر في هذه المنطقة.
قامت ثورة محمد بن تومرت الإصلاحية في دولة المرابطين سنة (512هـ) وكان منهج محمد بن تومرت في التغيير مختلفًا بالكلية عن منهج الشيخ عبد الله بن ياسين رحمه الله.
ولد محمد بن تومرت المصمودي في سنة (473) من الهجرة، ونشأ في بيت متدين في قبيلة مصمودة، وظل في هذا البيت إلى سنة (500) ، وكان يبلغ من العمر (27) سنة، وكان متشوقًا جدًا إلى العلم، وكان من عادة العلماء في ذلك الزمن أنهم يتجولون ويسيحون في الأرض، يتعلمون من علماء المسلمين في مختلف الأقطار، ففي سنة (500) سافر محمد بن تومرت إلى قرطبة وتلقى العلم هناك، ثم لم يكتف بذلك بل سافر إلى الإسكندرية، ثم إلى مكة فحج وأخذ يتعلم هناك على أيدي علماء مكة فترة، ثم ذهب إلى بغداد وقضى فيها عشر سنوات كاملة، وتعلم العلم على أيدي علماء بغداد جميعًا، وبغداد في ذلك الوقت كانت تموج بتيارات مختلفة، فقد كان فيها علماء للسنة وعلماء للشيعة وعلماء للمعتزلة، فتلقى على أيدي هؤلاء جميعًا، ثم ذهب إلى الشام وتلقى العلم على يد أبي حامد الغزالي رحمه الله صاحب الإحياء، ثم عاد بعد ذلك إلى الإسكندرية، ثم عاد بعد ذلك إلى بلاد المغرب.
يقول ابن خلدون: لما عاد محمد بن تومرت سنة (512هـ) إلى بلاد المغرب العربي وعمره تقريبًا 39 سنة، أصبح بحرًا متفجرًا من العلم وشهابًا في الدين، يعني: أنه جمع علومًا كثيرة جدًا من تيارات مختلفة، وجمع أفكارًا ضخمة جدًا، وأصبح فعلًا من علماء المسلمين الكبار في هذه الآونة، وفي طريق عودته من بلاد العراق وبلاد الشام بقي في الإسكندرية فترة يكمل فيها تعليمه، وهناك في الإسكندرية بدأ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فقد كان عنده علم غزير جدًا، وكان شديدًا جدًا في إنكار المنكر وفي الأمر بالمعروف، وكانت فيه شدة توصل إلى حد التنفير، فكان ينفر كثيرًا من الناس عنه عندما يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، حتى إن أهل الإسكندرية طردوه من البلد من فظاظته، وألقوه في سفينة متجهة إلى بلاد المغرب العربي، فركب السفينة فأخذ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أهل السفينة، فكان ينهاهم عن شرب الخمور على السفينة، ويأمرهم بقراءة القرآن، ومن شدته عليهم رموه في وسط البحر الأبيض المتوسط وانطلقوا إلى بلاد المغرب وهو يسبح بجانب السفينة، فأشفق عليه أهل السفينة فأخذوه معهم على أن يصمت حتى يصل إلى بلاد المغرب العربي.
ثم وصل إلى بلد المهدية في تونس، فنزل فيها وبدأ كالعادة من جديد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بنفس الطريقة، وكرد فعل طبيعي للناس بدأت تنفر من طريقته وتبتعد، وكان محمد بن تومرت يريد تغيير كل شيء من المنكر تغييرًا جذريًا مفاجئًا وسريعًا، والحق أن هذا أمر مخالف للسنن؛ فرسول الله صلى الله عليه وسلم لما بدأ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في مكة ما أنكر على المنكرات فجأة، بل إن الأوامر كانت تنزل من عند الله سبحانه وتعالى بصورة متدرجة كالأمر باجتناب الربا والخمور، وكالأمر بالقتال في سبيل الله، يروى أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله لما تولى الخلافة كانت هناك منكرات في دمشق وما حولها من البلاد، فابن عمر بن عبد العزيز رحمه الله كان شديدًا جدًا في الحق، فأراد أن يغير كل هذه الأمور فجأة، فوجد أن أباه عمر بن عبد العزيز رحمه الله يغير الأمور بصورة متدرجة، فشق ذلك عليه وذهب إلى أبيه وقال: يا أبي! أنت تملك الأمور، ولك هيمنة على بلاد المسلمين فيجب أن تغير كل المنكرات وتقيم الإسلام كما ينبغي أن يقام، فقال له عمر بن عبد العزيز رحمه الله: يا بني! لو حملت الناس على الحق جملة واحدة تركوه جملة واحدة.
ومحمد بن تومرت لم يكن يفعل هذا الأمر، بل كان يريد أن يغير كل شيء تغييرًا جذريًا وبأسلوب فظ شديد، قال الله سبحانه وتعالى وهو يخاطب نبيه الكريم: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران:159] ، فالرسول صلى الله عليه وسلم المؤيد بالوحي أحكم البشر وأعلم البشر جميعًا، لو دعا إلى الله سبحانه وتعالى بفظاظة لانفض الناس من حوله، فما بالكم بعموم الناس؟!