فهرس الكتاب
وسنناقش هذه الآراء:
• الرأي الأول: صدور الإقرار عن إرادة حرّة.
يجب أن يكون الإقرار صادرًا عن إرادة حرّة؛ لذا يجب استبعاد وسائل التأثير المختلفة لحمل المتهم على إقراره كالإكراه بالضرب أو أخذ المال. قال القاضي شريح: «القيد كره، والوعيد كره -يعني تهدده-، والضرب كره، والسجن كره» . يعني أنت تهدده بالسجن تقول له تعترف أو أسجنك؟ أو تهدده بضرب أو بسجن أو بعقوبة مغلّظة أو غير ذلك، فالقاضي شريح لا يقبل مثل هذا الإقرار.
ويقول العلّامة الماوردي: «وإن ضُرب ليقرّ لم يكن لإقراره تحت الضرب حكم» . يعني لا يُقبل مثل هذا الإقرار الذي أقرّ نتيجة الضرب.
أيضًا يقول الطرابلسي في (معين الحكام) : «وأما لو أكرهته على الإقرار بحد أو قصاص فلا يجوز» .
وفي الولواجي عند الأحناف أيضًا: إذا كان الرجل من الأشراف أو من الأجلّاء أو من كبراء العلماء أو الرؤساء بحيث يستنكف عن ضرب سوط أو حبس ساعة لم يجز إقراره؛ لأن مثل هذا الرجل يؤثر ألف درهم على ما يلحق من الهوان بهذا القدر من الحبس والقيد فكان مكرهًا، وكذا الإقرار حجة لترجّح جانب الصدق فيه على جانب الكذب، وعند الإكراه يحتمل أنه يكذب لدفع المضرّة». يعني رجل شريف ويستنكف أن يكلمه واحد كلمة، وممكن يدفع مالًا ويفعل أي شيء في مقابل أنه لا يُضرب ولا يُهان ولا يُحبس ولا غيره؛ فهذا الرجل ممكن يعترف على نفسه بجريمة من أجل ألا يُضرب ولا يُهان، يقول لك أنا مقرٌّ ويريح دماغه.
فنحن نقول الإقرار حجة لترجّح جانب الصدق في المقرّ، ولكن هذا في حالة الاختيار الكامل، أنه جاء بإرادته يعترف أمام القاضي أو أمام الشَرطة أو غيره. وطبعًا الإقرار المعتبر هو إقرار أمام القاضي، يعني إقرار الشَرطة هذا مثل الاستدلال فقط، ويأتي مرة أخرى القاضي يسأله: أنت أقررت بهذا؟ فإذا لم يقرّ أمام القاضي فلا يؤخذ بإقراره أمام الشَرطة. يعني لا ينفع هذا، لا بد أن يقرّ أمام القاضي.
إذًا إذا أُكره فإن جانب الكذب سيكون أكبر، واحد يكذب من أجل أن يدفع عن نفسه المضرّة.
هذا تحليل الإمام ابن الشحنة الحنفي وغيره من علماء الأحناف.