فهرس الكتاب
وأيضًا الإمام الكاساني كرّر نفس الكلام، وله رأي بأن إخلاء سبيل المتهم الذي أُكره على الإقرار الأول ثم قُبض عليه مرة أخرى لا يصح إقراره الثاني طالما كان تحت بصر من أكرهه أولًا؛ إذ يقول: «ولو أكرهه على الإقرار بذلك -كالحدود والقصاص- ثم خلّى سبيله فهذا على وجهين: إما أن يتوارى عن بصر المكره حينما خلّى سبيله، وإما أن لا يتوارى عن بصره حتى بعث من أخذه وردّه إليه. فإن كان توارى عن بصره ثم أخذه فأقرّ إقرارًا مستأنفًا جاز إقراره» . هو كلام طويل في (بدائع الصنائع) للإمام الكاساني، هو لو واحد قُبض عليه وأقرّ نتيجة الإكراه، يعني ثبت لدى القاضي ذلك، فإنه إذا خلّى سبيله ثم قُبض عليه مرة أخرى، يعني ذهب بيته ثم قبضوا عليه مرة أخرى وجاء، فأقرّ بدون إكراه في المرة الثانية، هنا الإقرار الثاني هو الذي يؤخذ به، أما الإقرار الأول لأنه كان نتيجة إقرار فلا يؤخذ به. هذا هو مقصد الإمام الكاساني.
والإمام السرخسي في كتابه (المبسوط) يقول أيضًا: ولو أن قاضيًا أكره رجلًا بتهديد ضرب أو حبس أو قيد حتى يقرّ على نفسه بحدّ أو قصاص كان الإقرار باطلًا؛ لأن الإقرار متمثلٌ بين الصدق والكذب، وإنما يكون حجةً إذا ترجّح جانب الصدق على جانب الكذب، والتهديد بالضرب والحبس يمنع رجحان جانب الصدق «. لأن الرجل يريد أن يدفع عن نفسه مضرّة فهنا نشكّ في صدقه، هو واضح أنه اعترف كذبًا لأنه يريد أن يدفع عن نفسه الضرب، أو يخفّف عن نفسه العذاب، فجاء فاعترف حتى يكفوا عن تعذيبه.
ولجنة الفتوى في الأزهر قديمًا عُرضت عليهم هذه القضية وهي ضرب المتهم، فذكروا بعض الآراء، والفتوى في النهاية مالت إلى عدم ضرب المتهم ليقرّ، ونقلوا كلامًا للإمام الماوردي في (الأحكام السلطانية) أنه يجوز للأمير مع قوة التهمة أن يضرب المتهم ضرب التعزير لا ضرب الحد، ليأخذه بالصدق عن حاله فيما قرف به واتهم؛ فإن أقرّ وهو مضروب اعتُبرت حاله فيما ضُرب عليه؛ فإن ضُرب ليقرّ لم يكن لإقراره تحت الضرب حكم، وإن ضُرب ليصدق عن حاله وأقرّ تحت الضرب قُطع ضربه واستُعيد إقراره». يعني يقصدون نفس الكلام الذي ذكره السرخسي والكاساني، يعني هو لو ضربه وأقرّ ثم تركه فأقرّ بعد ذلك بنفسه من غير الضرب الأول، هو لما أقرّ في الأول باطل، لكن جاء فأقرّ مرة أخرى بدون ضرب وبدون أي شيء وقال نعم كل اعترافي الذي اعترفته في الأول لما ضربوني كان صحيحًا، هنا يأخذ بإقراره الثاني لا بإقراره الأول.
وهذا الكلام له وجهة نظر يقولون (لأن يخطئ الإمام في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة) .
• الرأي الثاني: قبول الإقرار ولو كان نتيجة ضرب المتهم