فهرس الكتاب
3 -أما الاستدلال بفتوى الحسن بن زياد صاحب أبي حنيفة فقد أكّد الإمام السرخسي أن الحسن بن زياد قد ندم على فتواه بقوله: «روي عن الحسن بن زياد -رضي الله عنه- أن بعض الأمراء بعث إليه وسأله عن ضرب السارق ليقرّ، فقال: ما لم يقطع اللحم أو يبين العظم. ثم ندم على مقالته، وجاء بنفسه -أي الحسن بن زياد- إلى مجلس الأمير ليمنعه من ذلك فوجده قد ضربه حتى اعترف وجاء بالمال، فلما رأى المال موضوعًا بين يدي الأمير -يعني المال المسروق- قال: ما رأيت ظلمًا أشبه بالحق من هذا» .
ويعلّق السرخسي وهو من كبار أئمة الأحناف على هذه الحالة فيقول: «فإن خلّى سبيله بعد ما أقرّ مكرهًا، ثم أُخذ بعد ذلك فجيء به فأقرّ بما كان عليه بغير إكراه مستقلّ أُخذ بذلك كله؛ لأن إقراره الأول كان باطلًا، ولما خلى سبيله فقد انتهى حكم ذلك الأخذ والتهديد، فصار كأن لم يوجد أصلًا حتى أُخذ الآن فأقرّ بغير إكراه وإن كان لم يخل سبيله، ولكنه قال له وهو في يده بعد ما أقرّ: إني لا أؤاخذك بإقرارك الذي أقررت به ولا أضربك ولا أحبسك ولا أعرض لك، فإن شئت فأقرّ، وإن شئت فلا تقرّ، وهو في يد القاضي على حاله، لم يجز هذا الإقرار لأن كينونته في يده حبس منه له، وإنما كان هدده بالحبس فما دام حابسًا له كان أثر ذلك الإكراه باقيًا» .
يعني يقول حتى لو جاء وقال له إن شئت فأقر وإن شئت فلا تقر، ولكنه محبوس لديه وهو لا يزال باقيًا مهددًا بالحبس، فإنه يعتبر الإكراه لا يزال مستمرًا. يعني شيء في غاية الرقي عند الإمام السرخسي في هذا الأمر.
4 -استدلّوا أيضًا الذين يجيزون ضرب المتهم بحادثة أن القاضي سحنون الإمام المالكي الشهير صاحب (المدونة) أمر بضرب القاضي ابن أبي الجواد بتهمة خيانة الأمانة، وهو أحد علماء المالكية أيضًا قاضي مشهور:
ذكر بعض علماء المالكية مسألة ضرب المتهم حتى لو كان قاضيًا واستشهدوا على ذلك بقضية القاضي سحنون، وهو من كبار علماء المالكية مع القاضي ابن أبي الجواد حيث ذكر صاحب (المعيار المعرّب) الإمام الونشريسي: «يُسجن القاضي ويُضرب إذا عُرف بالشرّ والسرقة: وعن أصبغ -أحد العلماء الكبار في المالكية أيضًا- فيمن كان معروفًا بالشرّ والسرقة يُسجن أبدًا وهو الصواب. وكان سحنون يضرب ابن أبي الجواد القاضي ويعيده في السجن، وكان عنده أموال اليتامى» .