الصفحة 132 من 277

لاحظوا: علماء المالكية الذين أجازوا ضرب المتهم يشترطون كما في عبارة الونشريسي: «إذا عُرف بالشرّ والسرقة» . يعني الإنسان المتهم سواء قاضي أو غيره أيا كانت صفته فإذا كان معروفًا بالشر ومعروفًا بالسرقة يُسجن ويُضرب كما ضرب الإمام سحنون ابن أبي الجواد بسبب أموال اليتامى التي كانت عنده واتهمه بخيانة الأمانة.

وأصل القصة كما ذكرها الونشريسي هي كالآتي: عن ابن أبي الجواد: «أنه كان قاضيًا بالقيروان -في تونس يعني- ثم عُزل، ورجع سحنون في موضعه -يعني كان قاضيًا بدلًا منه- ونظر في ديوان الودائع فوجد فيه مالًا لورثة رجل يُقال له ابن «القلفاط» فأُحضر، وكشف عن ذلك فأنكر وجحد الخط، فشهد عليه في وجهه سليمان بن عمران وابن قادم الفقيهان بأنه خطه وكانا يكتبان له، فتمادى على الإنكار فتلوّم له سحنون وأعذر إليه، وأرسل من يشير عليه بإنصاف القوم، فلجّ في الإنكار وتمادى عليه، فحبسه أيامًا فلم يرجع إلى الحق، فأخرجه وضربه عشرة -يعني عشرة أسواط- وردّ إلى السجن، فأتت زوجته بنت أسد بن الفرات -رحمه الله، القاضي الشهير أيضًا- والتزمت الدفع عنه، فقال لها سحنون إن قال زوجك: هذا مال الميت أو بدله قبضته فأطلقته لك، فأُحضر فامتنع من قول ذلك وكان سحنون يخرجه في كل يوم جمعة وإذا امتنع من الأداء ضربه عشرة أسواط حتى ضربه مرارًا كثيرة ثم مرض ومات في السجن من مرضه ذلك. وقضيته مشهورة كما حكاها ابن الرقيق بزيادات. وعن أبي عمران إنما ضربه سحنون لأنه اتهمه كما يضرب السارق حتى يخرج أعيان تلك السلع، وروي أن سحنون كان يقول بعد موته: مالي ولابن الجواد: كأنه تحرّج من موته خوفًا». يعني كان يأتي له قلق في منامه بعد موت ابن الجواد لأنه تعنّت معه أو عذّبه.

هذه القصة مشهورة، وللأسف أنا أتعجّب أنها مرّت مرور الكرام على البعض وذكروها هكذا كأنها مُسَلَّمة. وأنا تعليقي عليها الآتي:

أولًا: من حيث مصدر قصة ضرب سحنون لابن أبي الجواد: لقد شكك بعض العلماء في هذه الرواية حيث ذكر الونشريسي نفسه: «وأجاب بعضهم وأظنه الشيخ ابن عبد السلام، بأن هذا إنما هو من حكاية ابن الرقيق المؤرخ، وهو ليس بثقة لأنه كان شارب خمر متخلفًا فلا يُقبل خبره. والحكاية وإن ذكرها بعض مؤرخي الأندلس فلعلّه نقلها من ابن الرقيق» . هذا كلام الونشريسي نفسه، فهم أخذوا كلامه ولم يذكروا بقية الكلام. إذًا العمدة في الرواية رجل شارب خمر. وللأسف لم يذكروا من باب الأمانة العلمية هذا الكلام الذي ذكره الونشريسي في موضع آخر في نفس القصة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت