فهرس الكتاب
ثانيًا: على افتراض صحة هذه الرواية عن سحنون فإنها توافق مذهب من يجيز ضرب المتهمين أرباب السوابق، وكانوا معروفين بالشر أو من المسجلين خطر حسب المصطلح الحديث. وقد يكون القاضي ابن أبي الجواد مشهورًا بالفساد أو أكل أموال اليتامى أو الرشوة لذا أمر القاضي سحنون بضربه. بالإضافة إلى أن الذي يقوم أو يأمر بالضرب هو القاضي وليس ضابط الشرطة أو أي جهة أخرى سرية أو علنية.
ثالثًا: على افتراض صحة هذه الرواية أيضًا فإنها ليست مبررًا شرعيًا لاستعمال كل هذه القسوة؛ حيث تصوّر لنا الرواية أن القاضي سحنون كان شخصًا متعنتًا قاسي القلب لدرجة أنه لم يقبل المال الذي عرضته زوجة ابن أبي الجواد لتخليص زوجها إلا بأن يقرّ بأن هذا مال الميت الذي كان في أمانته أو بدلًا منه! فرواية القصة بهذه الطريقة توحي أن هناك أسبابًا شخصية أو سياسية وراء هذا التعنت من قبل القاضي سحنون قبل القاضي الحبيس ابن أبي الجواد! يعني أنت تريد المال وزوجته جاءتك بالمال فما هذا التعنّت، طبعًا هذا على افتراض الصحة، وإلا فهذه الرواية كلها مختلقة.
رابعًا: أشار الإمام الونشريسي إلى ندم سحنون أنه كان يقول بعد موته: مالي ولابن الجواد. ويقول الإمام الآبي في تعليقه على هذه القضية: «كان سحنون أيام قضائه سَجَن ابنَ أبي الجواد في دين ترتب عليه وضربه بالسياط مدة بعد مدة واتفق أن مات ابن أبي الجواد من ضربه فكان سحنون إذا نام رأى في منامه ابن أبي الجواد بما يسوءه، فإذا استيقظ يقول ما لي ولابن أبي الجواد. فظاهر هذا أن سحنون ناله بسبب تعذيبه مع أنه إنما عذبه بحق، ولذا كان يقول له: (الحق قتله) .
وأنا شخصيًا لا أقبل هذا التبرير على افتراض صحة الرواية؛ فالثابت أن سحنون عذب ابن أبي الجواد وأذله وتعنت معه فلذا فإنه يتحمل وزر ذلك إن كانت الرواية صحيحة، ولكننا قلنا إن الرواية مختلقة، ومصدرها ابن الرقيق المؤرّخ وهو متهم وغير موثوق فيه وكان يُتهم بشرب الخمر.
خامسًا: ما فعله القاضي سحنون يخالف ما جاء في المدونة -يعني هو ناقل المدوّنة فكيف يخالفها-: (من أقرّ بعد التهديد أقيل. قال ابن القاسم فالوعيد والقيد والتهديد والسجن والضرب تهديد عندي كله وأرى أن يُقال، ثم لا يُقام الحد على من ضُرب وهُدد فأخرج القتيل أو أخرج المتاع الذي سرق إلا أنه يقر بذلك آمنًا لا يخاف شيئًا) . يعني هو يقصد حتى لو أخرجه بعد ذلك يأتي ويقرّ بدون ضرب، يعني هو ضرب وبعد ذلك أخرج الجثة، فبعد ذلك يأتي أمام القاضي فيعترف هنا، يعني كأنه متلبس بالجريمة وأقرّ، هنا يؤخذ باعترافه الأخير.