فهرس الكتاب
يعني معنى ذلك أنه على افتراض صحة ضرب سحنون لابن أبي الجواد فإنه لو أقرّ بعد التهديد والسجن والضرب لكان إقراره باطلًا. حتى لو أقرّ بعد الضرب. هذا هو كلام المدوّنة للمالكية. «لكان إقراره باطلًا حتى لو أخرج المال الذي اتهمه فيه القاضي سحنون» .
إذًا بناء على الأسباب التي ذكرتها سابقًا لا أرى صحة رواية ضرب القاضي سحنون وتعذيبه للقاضي ابن أبي الجواد وأنها قضية مختلقة.
الرأي المختار الذي أختاره شخصيًا في الترجيح بين كل هذه الآراء: يجوز ضرب المتهم، لا يجوز ضرب المتهم، يجوز بشروط. أقول: الذي أميل إليه تأييد الرأي القائل بعدم ضرب المتهم، وإن كان معروفًا بالفساد أو ما يُطلق عليه أمنيًا «المسجل الخطر» ؛ لأننا لسنا في عصر الصحابة، ولا بعد الصحابة. لا بد ننظر إلى الواقع الذي نعيشه؛ نعيش في واقع مرير جدًا، وهناك وحشية في أجهزة الأمن.
لكن نحن نتكلم إذا كان هناك قاض شرعي في أيامنا هذه فأيهما أولى؟ أنا في هذه الحالة أرى الابتعاد عن ضرب المتهم وإن كان معروفًا بالفساد. لماذا؟
أولًا: لثبوت حديث: كُرَيْبٍ «حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ مَرَّ هِشَامُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ عَلَى أُنَاسٍ مِنَ الأَنْبَاطِ -يعني الفلاحين- بِالشَّامِ قَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ فَقَالَ مَا شَأْنُهُمْ قَالُوا حُبِسُوا فِي الْجِزْيَةِ. فَقَالَ هِشَامٌ أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا» ». هذا الحديث في صحيح وساقه بالتفصيل.
فهذا الحديث صريح في نهي وزجر الرسول صلى الله عليه وسلم عن تعذيب الناس سواء كانوا برءاء أو متهمين؛ فكلمة «الناس» عامة تشمل كل الناس، بدليل أن الصحابي هشام بن حكيم استنكر أن يعاقب الوالي هؤلاء الفلاحين من أهل الكتاب -نصارى- في الشام لإجبارهم على دفع الجزية، ولم يسأل هشام بن حكيم هل هم من أرباب السوابق أو من المماطلين في دفع الجزية؟! فبمجرد أن رآهم سأل عن شأنهم واستنكر أن يُحبسوا هكذا في الشمس واعتبر أن ذلك نوعًا من التعذيب غير الجائز شرعًا؛ فقال على الفور بصيغة الجزم أشهد أني لسمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول إن الله يعذّب الذين يعذّبون الناس في الدنيا.