ويقول ابن حزم عن الصغائر: «وأما الصغائر فإن الله -عزَّ وجلَّ- قال: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} فصحّ أن ما دون الكبائر مكفرةٌ باجتناب الكبائر، وما كفره الله تعالى وأسقطه فلا يحل لأحد أن يذمّ به صاحبه، ولا أن يصفه به، وكذلك من تاب من الكفر فما دونه فإنه إذا سقط عنه بالتوبة ما تاب عنه لم يجز لأحد أن يذمّه بما سقط عنه، ولا أن يصفه به» .
هذا رأي ابن حزم في هذا الموضوع.
ولكن أقول: رأي ابن حزم يتفق مع بعض الفقهاء في أنه يرى أنه لا تلازم بين العدالة والمروءة حيث ذكر أحد الفقهاء أن الفقيه أحيانًا يفعل أشياء قد تكون مخالفة لعادة الناس وليس للشرع. مثل الأكل في الشارع، بعض الفقهاء يعتبر أن هذا الرجل مخروم المروءة، وبعضهم مثلًا عندما يأتي بأفعال أو بأشياء معيّنة يعتبرونها خارمة للمروءة، وسأعرّف المروءة بعد قليل إن شاء الله. روي أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يركب الحمار العاري، ويُردف خلفه، وأنه كان يأكل ماشيًا إلى الصلاة بمجمع من الناس في المسجد، وأنه كان يحلب الشاة ونحو ذلك.
وأيضًا روي عن الخلفاء الراشدين من الزهد وما كانوا يفعلون أنهم كانوا يمشون في الأسواق هكذا بدون أي كلفة، ويركبون الحمير. ولكن فيما بعد كان بعض الفقهاء يقولون من يركب الحمار العادي هكذا كأنه مخروم المروءة. فقال لهم كل زمن له ظروف، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أكمل الخلق وأفضل الخلق ورغم ذلك كان يسير في الناس هكذا ولم يكن هذا خارمًا للمروءة. ومصداق ذلك قول الله تعالى: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا} .
إذًا كفار قريش كانت المشكلة عندهم أن الرسول يمشي في الأسواق. وكيف يكون رسولًا من عند الله ورغم ذلك يمشي بينهم هكذا، وهم أخذوا على أن الملوك لا يرونهم طوال حياتهم أصلًا وأنهم لا يمشون في الأسواق وكذلك الزعماء. فاعتبروها كأنها خارمة للمروءة، والله -سبحانه وتعالى- ردّ عليهم في ذلك: {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا} .
وابن حزم اختار تعريف مالك للعدالة قال: «قال مالك في رواية محمد بن عبد الحكم عنه من كان أكثر أمره الطاعة ولم يقدم على كبيرة فهو عدلٌ» .