فهرس الكتاب
عنده واسعًا، وكيف تلبس ثيابًا الكم فيها ضيق، فكيف ستتوضأ؟! فردّ الشهادة بمجرّد أنه لم يستطع أن يحسر ذراعيه.
ورغم ذلك لم يقل له هل تصلي أو لا تصلي، هو فقط قال للمدّعي ائتني بشاهد غير هذا.
والقاضي عبد الملك بن يعلى قال: «من ترك ثلاث جمع من غير عذر لم تجز شهادته» .
والسبكي في طبقاته يقول: «في الفاسق يُدعى إلى أداء شهادة تحمّلها: إن كان ظاهر الفسق لم يلزمه أداؤها، وإن كان فسقه باطنًا لزمه؛ لأن ردّ شهادته بالفسق الظاهر متفق عليه، وبالباطل مختلف فيه» . يعني هو يقصد إذا كان الفسق ظاهر عليه يردّ هذا الفاسق، ولكن إذا كان فسقه باطنا لا نعلمه، ففي هذه الحالة نأخذ ظاهره.
الخلاصة: أن فقهاء المسلمين وعلماء الإسلام وضعوا هذه الضوابط الصارمة للعدالة نظرًا لخطورة الشهادة وما يترتب عليها من زهوق نفس قد تكون بريئة أو تضيع حقوق الناس، وقد يكون في طلاق أو زواج أو في ميراث. لكن الآن هذه الشروط الصارمة التي كانوا يتكلّمون عنها: المروءة كالمشي والأكل في الأسواق والمطاعم ويعتبرون كل هذه مسائل خارمة للمروءة، الآن الأمور تغيّرت. الآن هناك مطاعم ولم تعد هذه المسائل خارمة للمروءة. فلو أننا أردنا أن نطبّق هذه الشروط الصارمة حول العدالة والمروءة في زماننا فربما لن نجد شاهدًا إلا نادرًا، لأن الناس استجدّت لها أشياء كثيرة وتغيّرت المفاهيم في هذه المسائل، فلا تتناسب مع عصرنا الحالي، وسيكون من العسير أن نجد شاهدًا عدلًا تتوافر فيه الشروط التي وضعها فقهاء الإسلام مما يوقع الناس فر حرج شديد ويؤدي إلى إفلات الجناة القتلة من عقوبة القصاص مثلًا أو حقوق الناس في الأموال.
ولذلك قد تفطّن الفقهاء قديمًا كابن زيد المالكي نقل عنه القرافي: «بأنا إذا لم نجد في جهة إلا غير العدول أقمنا أصلحهم وأقلّهم فجورًا للشهادة عليهم، ويلزم مثل ذلك في القضاة وغيرهم لئلا تضيع المصالح. قال: ولئلا تُهدر الدماء وتضيع الحقوق وتتعطل الحدود» .
هذا كلام نفيس وأنا من قبل ذكرته في شروط القاضي لأنهم اشترطوا شروطًا صارمة في تولّي القضاء أيضًا، ونقلنا كلام شبيه بهذا من كلام العلماء كالروياني وغيرهم عندما قالوا يولّى الأمثل فالأمثل.