فهرس الكتاب
وممن قال من السلف بشهادة النساء في كل شيء كما يقول ابن حزم: عطاء بن أبي رباح، فقد روى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح قال: «تجوز شهادة النساء مع الرجال في كل شيء، وتجوز على الزنا امرأتان وثلاثة رجال» .
وعن سفيان الثوري في أحد قوليه: «تُقبل المرأتان مع رجل في القصاص، وفي الطلاق، والنكاح، وفي كل شيء -حاش الحدود- ويُقبلن منفردات فيما لا يطلع عليه إلا النساء» .
وممن قال بجواز شهادة النساء في القصاص: الإمامية في قول لهم؛ جاء في سلسلة الينابيع الفقهية: «ويثبت القتل بشهادة عدلين أو رجل وامرأتين» .
كل هذا منقول عن ابن حزم نفسه.
وفي فتاوى العلامة السُّغدي -وهو إمام كبير من أئمة الأحناف-: «وتجوز شهادة النساء مع الرجال في جميع الأحكام في الحدود والقصاص في قول أبي حنيفة وصاحبيه وأبي عبد الله؛ لأن شهادة النساء ضعيفة والحدود والقصاص قوية ولا يُقام القوي بالضعيف» .
وردّ ابن حزم على احتجاج الجمهور بحديث الزهري: (مضت السنة من لدن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الخليفتين من بعده ألا تجوز شهادة النساء في الحدود) لأنه منقطع من طريق إسماعيل بن عيّاش وهو ضعيف عن الحجّاج بن أرطأة وهو هالك. وكلمة «هالك» هذه من مصطلحات الحديث وذكرتها في كتابي (مصادر السيرة النبوية) في مسائل الجرح والتعديل عند الرواة، ويقصدون بها أنه ضعيف.
وأجاب ابن حزم أيضًا بأن العقل لا يفرّق بين الرجل والمرأة في الشهادة: «وبضرورة العقل يدري كل أحد: أنه لا فرق بين امرأة ورجل، وبين رجل، وبين رجلين، وبين امرأتين، وأربعة رجال، وبين أربع نسوة، في جواز تعمّد الكذب والتواطؤ عليهم، وكذلك الغفلة -ولو حينًا- إلى هذا، لكان النفس أطيب على شهادة ثماني نسوة منها على شهادة أربعة رجال. وهذا كله لا معنى له، إنما هو القرآن والسنة ولا مزيد» .
وأيضًا ردّ ابن حزم على من قال بتخصيص شهادة النساء على ما لا يجوز أن يطّلع عليه الرجال، لأن بعض الفقهاء قالوا يجوز في حالة الرضاع والولادة لأن المرأة هي التي تكون شاهدة ولا يوجد رجال في مسألة الرضاع والقابلة التي تقوم بولادة المرأة وتشرف على ولادة النساء، قال: «أما من احتجّ بتخصيص ما لا يجوز أن ينظر إليه