فهرس الكتاب
القطر الذي كان معينًا فيه. إذًا يقول لا يقضي القاضي بعلمه في الحدود، لكن يقضي في الأشياء الأخرى، حتى إنهم قالوا يقضي في القصاص، وفي الأموال، وفي كل شيء إلا الحدود.
وهناك رأي آخر من الذين يجيزون بقيود يقول: يحكم القاضي بعلمه على ما علمه في زمن الولاية في مصرها، يعني في زمن ولايته للقضاء في القطر الذي يحكم فيه فقط.
إذًا عندنا رأيان: رأي لا يجيز على الإطلاق أن يحكم القاضي بعلمه، ورأي على النقيض تمامًا أنه يجوز أن يحكم بعلمه. وداخل هذه المدرسة عدة آراء أخرى؛ واحد يقول يجوز لكن باستثناء الحدود، وآخر يقول يجوز عندما يكون واليًا فقط في البلد التي هو فيها، أما لو كان قبل الولاية ورأى جريمة أو عنده علم بها فلا يجوز له. أو هو مثلًا والي منطقة الكوفة فذهب إلى بغداد ورأى جريمة فهنا لا يجوز له أن يحكم بعلمه في منطقة بغداد. وسنفصّل كل شيء لأن هذه مسألة مهمة جدًا يحتاجها الذين يعملون في القضاء الشرعي.
المدرسة الأولى: عدم جواز أن يحكم القاضي بعلمه الشخصي:
هؤلاء يقولون إنه ليس للقاضي أن يحكم بعلمه في أي حق من الحقوق، سواء حقوق آدميين، أو حقوق خالصة لله. هذا ما ذهب إليه الإمام مالك، وأحمد في المشهور عنه، والشافعي في أحد قوليه.
قال الإمام ابن فرحون في (تبصرة الحكّام) : «فقال مالك وابن القاسم: لا يحكم بعلمه في ذلك -أي القاضي-. وقال عبد المالك: يحكم وعليه قضاة المدينة، ولا أعلم أن مالكًا قال غيره. وبه قال مطرّف وسحنون وأصبغ، والأول هو المشهور» .
يقصد ابن فرحون الأشهر هو قول مالك وابن القاسم القائل بألا يحكم القاضي بعلمه؛ لذلك قال تعليقًا على رأي عبد الملك وسحنون: «قال الشيخ أبو بكر بن عبد الرحمن في مسائله: قول ابن القاسم أصحّ لفساد الزمان، ولو أدرك عبد الملك وسحنون زماننا لرجعا عمّا قالاه، لو أُخذ بقولهم لذهبت أموال الناس وحُكم عليهم بما لم يقرّوا به» . تخيّل هذا الكلام في القرن الثامن الهجري والتاسع الهجري والسابع الهجري، يقول هذا في زمانهم هم، فما بالك في زماننا نحن في القرن الرابع عشر الهجري!