الصفحة 187 من 277

وفي المذهب الحنبلي: قال الخرقي: « (ولا يحكم الحاكم بعلمه) ظاهر المذهب أن الحاكم لا يحكم بعلمه في حدٍّ ولا غيره، لا فيما علمه قبل الولاية -يعني قبل أن يولّيه الخليفة أو السلطان أو من بيده الأمر- ولا بعدها. وهذا قول شريح والشعبي ومالك وإسحاق وأبي عبيد ومحمد بن الحسن وهو أحد قولي الشافعي» .

طيب واحد يسأل يقول ما هو الدليل في هذا، لماذا تنازعوا؟ وهل تظنّ أن العلماء سيحكمون بهواهم؟! لا بد أن لديهم أثارة من علم ولديهم أدلّة اعتمدوا عليها.

• أدلّة الذين لا يجيزون للقاضي أن يحكم بعلمه الشخصي:

-قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} . وجه الدلالة: لقد أمر الله -سبحانه وتعالى- بجلدهم إذا لم يأتوا ببيّنة، وإن علم القاضي صدقهم. يعني الله -سبحانه وتعالى- قال بالبيّنة ولم يتكلّم عن علم القاضي.

-وفي السنة: ما أخرجه مسلم عن ابن عباس في قصة الملاعنة: قَالَ النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتُهَا) . وجه الدلالة: ظاهر الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- علم وقوع الزنا من هذه المرأة، ولم يرجمها لعدم البينة على زناها؛ فدلَّ هذا على عدم جواز قضاء القاضي بعلمه الشخصي.

وأيضًا حديث أم سلمة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَىَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلاَ يَأْخُذْهَا) . وجه الدلالة في هذا الحديث: بيّن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه إنما يبني حكمه على ما سمعه من حجج الخصمين لا على مجرد علمه الشخصي.

ولذلك تجد الإمام الكبير الحافظ ابن عبد البرّ أبو عمر المتوفى سنة 463 ه في كتابه (الاستذكار) علّق على هذا الكلام في شرحه لهذا الحديث عندما استعرض سند هذا الحديث وذكره، وهو أيضًا تكلّم عن نفس هذا الحديث بالتفصيل في كتابه (التمهيد) ؛ لأن (التمهيد) أوسع وأشمل، و (الاستذكار) يعُتبر كأنه مختصر (للتمهيد) ، ولكن (الاستذكار) اعتنى بالمسائل الفقهية أكثر، يقول: «وَأَمَّا قَوْلُهُ (فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ) يَعْنِي أَفْطَنَ لَهَا وَأَجْدَلَ بِهَا» . ثم يقول: «وَفِيهِ أَنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِكُلِّ مَا يُقِرُّ بِهِ عِنْدَهُ (الْمُقِرُّ) لِمَنِ ادَّعَى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت