فهرس الكتاب
عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَأَقْضِيَ(لَهُ بِمَعْنَى أَقْضِي) عَلَيْهِ بِمَا أَسْمَعُ مِنْهُ يُرِيدُ أَوْ مِنْ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي لِأَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي يَسْمَعُ مِمَّا يَحْتَاجُ أَنْ يَقْضِيَ بِهِ».
ثم قال أيضًا: «وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي رَدِّ حُكْمِ الْقَاضِي (بِعِلْمِهِ) لِقَوْلِهِ (فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ وَلَمْ يَقُلْ عَلَى نَحْوِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ أَوْ مِنْ قِصَّتِهِ
قَالَ وَإِنَّمَا تُعُبِّدْنَا بِالْحُكْمِ بِالْبَيِّنَةِ وَالْإِقْرَارِ وَهُوَ الْمَسْمُوعُ الَّذِي قَالَ فِيهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) (إِنَّمَا أَقْضِي عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ) وَذَلِكَ الْمَسْمُوعُ مِنَ الْمُقِرِّ فِي مجلس الحكم». ثم قال: «وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ قَتَلَ أَخَاهُ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ قَاتِلٌ لَمْ يَجِبْ لَهُ الْقَوَدُ مِنْهُ فَإِنَّهُ قَاتِلٌ عَمْدًا (وَالْقَاتِلُ عَمْدًا) لَا يَرْثُ (مِنْهُ) شَيْئًا لِمَوْضِعِ التُّهْمَةِ فِي وِرَاثَتِهِ» .
ثم قال أيضًا: «وَمِنْ أَحْسَنِ مَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ حَدِيثُ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ أَبَا جَهْمٍ عَلَى صَدَقَةٍ فَلَاجَّهُ رَجُلٌ فِي فَرِيضَةٍ فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ شِجَاجٌ فَأَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ فَأَعْطَاهُمُ الْأَرْشَ -يعني المال المفروض في مثل هذه الدية- ثُمَّ قَالَ (إِنِّي خَاطِبٌ النَّاسَ وَمُخْبِرُهُمْ أَنَّكُمْ قَدْ رَضِيتُمْ أَرَضِيتُمْ قَالُوا نَعَمْ فَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَطَبَ وَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَقَالَ أَرَضِيتُمْ قَالُوا لَا فَهَمَّ بِهِمُ الْمُهَاجِرُونَ فَنَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ صَعِدَ(الْمِنْبَرَ) فَخَطَبَ ثُمَّ قَالَ أَرَضِيتُمْ قَالُوا نَعَمْ.
وَهَذَا بَيِّنٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ (مِنْهُمْ) بِمَا عَلِمَ مِنْهُمْ وَلَا قَضَى بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَقَدْ عَلِمَ رِضَاهُمْ». يعني لم يحتج عليهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وما قال لهم أنتم رضيتم وقلتم لي واعترفتم لي أنكم رضيتم، بل أعادها عليهم مرة أخرى الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
ومن الأحاديث الأخرى أيضًا التي يحتجون بها: حديث الأشعب قيس: (إنَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي شَيءٍ، فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: «شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ» ) . وجه الدلالة هنا في هذا الحديث: أنه قد أفاد أن الإثبات لا يكون إلا بالشاهدين واليمين، ودلّ هذا على أن علم القاضي لا يجوز القضاء به لأنه ليس واحدًا منهما (الشهادة أو اليمين) .
ويستدلّون أيضًا بقصة جهم بن حذافة، أنه كان عامل صدقة، وأن النَّبِي -صلى الله عليه وسلم- بَعَثَ أَبَا جَهْمِ بْنَ حُذَيْفَةَ مُصَدِّقًا -يعني يجمع الصدقات- فَلاَجَّهُ رَجُلٌ في صَدَقَتِهِ فَضَرَبَهُ أَبُو جَهْمٍ فَشَجَّهُ فَأَتَوُا النَّبِي -