فهرس الكتاب
صلى الله عليه وسلم-. فَقَالُوا الْقَوَدَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- «لَكُمْ كَذَا وَكَذَا» . فَلَمْ يَرْضَوْا فَقَالَ «لَكُمْ كَذَا وَكَذَا» . فَلَمْ يَرْضَوْا فَقَالَ «لَكُمْ كَذَا وَكَذَا» . فَرَضُوا. فَقَالَ النَّبِي -صلى الله عليه وسلم- «إِنِّي خَاطِبٌ الْعَشِيَّةَ عَلَى النَّاسِ وَمُخْبِرُهُمْ بِرِضَاكُمْ» . فَقَالُوا نَعَمْ. فَخَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ «إِنَّ هَؤُلاَءِ اللَّيْثِيِّينَ أَتَوْنِى يُرِيدُونَ الْقَوَدَ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِمْ كَذَا وَكَذَا فَرَضُوا أَرَضِيتُمْ» . قَالُوا لاَ. فَهَمَّ الْمُهَاجِرُونَ بِهِمْ فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ يَكُفُّوا عَنْهُمْ فَكَفُّوا ثُمَّ دَعَاهُمْ فَزَادَهُمْ فَقَالَ «أَرَضِيتُمْ» . فَقَالُوا نَعَمْ. قَالَ «إِنِّي خَاطِبٌ عَلَى النَّاسِ وَمُخْبِرُهُمْ بِرِضَاكُمْ» . قَالُوا نَعَمْ. فَخَطَبَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ «أَرَضِيتُمْ» . قَالُوا نَعَمْ.
وجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم بعلمه مع أنه عرضه عليهم أوَّل الأمر، فلو كان القضاء بمجرد العلم جائزًا لما اعتبر النبي -صلى الله عليه وسلم- إنكارهم، ولحكم عليهم بمقتضى علمه الشخصي. وكانوا مجموعة من العرّاب الجهّال هكذا وتعاملوا بهذه الطريقة الجافة وصبر عليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأعطاهم وزادهم.
وأيضًا مما استدلّوا به أن هناك رواية عن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- أنه قال: «لَوْ وَجَدْتُ رَجُلًا عَلَى حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ لَمْ أَحُدَّهُ أَنَا وَلَمْ أَدْعُ لَهُ أَحَدًا حَتَّى يَكُونَ مَعِي غَيْرِى» . وجه الدلالة: أن هذا نصٌّ صريح في أن أبا بكر لا يرى جواز قضاء القاضي بعلمه الشخصي. هذا الكلام ذكره الإمام البيهقي في (السنن الكبرى) .
وأيضًا في رواية عكرمة -رضي الله عنه-: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَرَأَيْتَ لَوْ رَأَيْتَ رَجُلًا قَتَلَ أَوْ سَرَقَ أَوْ زَنَى. قَالَ: أَرَى شَهَادَتَكَ شَهَادَةَ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ: أَصَبْتَ» . يعني كأنه فهم أن عمر يسأل عن نفسه. وجه الدلالة أن هذا نص صريح عن عمر أنه لا يجوز له أن يقضي بعلمه الشخصي.
وابن القيم -رحمة الله عليه- يعلّق على هذه الأخبار يقول: «وهذا من كمال فقه الصحابة -رضي الله عنهم-، فإنهم أفقه الأمة وأعلمهم بمقاصد الشرع وحكمه. فإن التهمة مؤثرة في باب الشهادات والأقضية» .
ويستند أيضًا أنصار هذا الرأي الذين قالوا بعدم جواز قضاء القاضي بعلمه أنه نوع من باب سد الذرائع؛ لأن قضاء القاضي بعلمه يكون كما في الدعوى بدون بيّنة ولا يمين. فوجب ألا يصح لأن الشرع الحكيم قد حكم