الصفحة 190 من 277

بأحدهما، ولأن تجويز قضاء القاضي بعلمه الشخصي يفضي إلى الحكم بالتشهّي. واحد يشتهي بمزاجه ويحيله إلى علمه! فهذا وإن كان لا يصدر إلا عمن ضعف إيمانه، ولم يراقب الله فيما يقوم به، إلا أن التفرقة بين من يُتصور صدور ذلك منه، ومن لا يُتصور؛ أمر يتعذر لأن العلم بخفايا النفوس خاص بالله وحده، فوجب القضاء بعدم اعتبار العلم الشخصي للقاضي سدًا للذريعة. لأننا لا نعرف أن هذا القاضي في نفسه شيء من المتهم أو ليس في نفسه شيء من المتهم، هذه الأمور لا يعلمها إلا الله، فنأتي بأمور واضحة أنه لا يجوز له أن يقضي بعلمه الشخصي.

الرأي الثاني: يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه الشخصي.

ويتكون من ثلاثة اتجاهات كما قلنا:

-الاتجاه الأول: يذهب إلى جواز قضاء القاضي بعلمه في سائر الحقوق سواء ما كان منها حقًا خالصًا لله أو حقًا خالصًا للعباد أو حقًا مشتركًا بينهما، علم ذلك زمان ولايته أو قبله في مصره الذي يقضي فيه أو في غيره.

-الاتجاه الثاني: يرى أن القاضي لا يقضي بعلمه في الحدود التي هي حق خالص لله. يعني يقضي بعلمه إلا في الحدود.

-الاتجاه الثالث: يقضي القاضي بعلمه الشخصي على ما علمه في زمن اختصاصه؛ في زمن ولايته القضائية وفي المكان الجغرافي المخصص له. فيما عدا الحقوق الخالصة لله تعالى فهذه لا يجوز له أن يقضي فيها بعلمه.

• الاتجاه الأول: جواز قضاء القاضي بعلمه في سائر الحقوق.

وهذا ضد الرأي الأول نهائيًا. هذا يذهب إلى جواز قضاء القاضي بعلمه الشخصي في سائر الحقوق سواء ما كان منها حقًا خالصًا لله تعالى كالحدود أو حقًا خالصًا للعبد كالأموال أو حقًا مشتركًا كالقصاص وحدّ القذف، علم بذلك في زمان ولايته أو قبله، في مصره الذي يقضي فيه أو في غيره، وهذا هو اتجاه الإمام الشافعي في المشهور عنه، وبعض المالكية، وأحمد في رواية عنه، وأهل الظاهر والشيعة الإمامية في الصحيح من مذهبهم.

قال ابن قدامة في تعليقه على مسألة الخرقي (لا يحكم الحاكم بعلمه) أن هناك رواية أخرى عن أحمد أي يجوز للحاكم أن يقضي بعلمه. إذًا هناك روايتان عن أحمد؛ رواية تؤيد الرأي الأول وهو أنه لا يجوز أن يحكم، ورواية أخرى عكسها تمامًا تجيز أن يقضي القاضي بعلمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت