الصفحة 191 من 277

ومن أشدّ الناس تمسكًا بهذا الرأي هو الإمام ابن حزم في المحلّى، يقول: «وفرض على الحاكم أن يحكم بعلمه في الدماء والقصاص والأموال والفروج والحدود وسواء علم ذلك قبل ولايته أو بعد ولايته وأقوى ما حكم بعلمه لأنه يقين الحق ثم بالإقرار ثم بالبينة» . إذًا ابن حزم من أنصار هذا الرأي الذي يقول القاضي يحكم بعلمه.

• أدلة القائلين بهذا الرأي:

-قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} . وجه الدلالة في هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى أمر المؤمنين عامة بالقوامة وبالقسط، والحاكم من جملتهم، وليس من القسط أن يعلم الحاكم أن أحد الخصمين مظلوم والآخر ظالم ويترك كلًا منهم على حاله. فمن واجب الإنسان أن يقيم العدل حسب مقدرته، وليس من العدل في شيء أن يعلم القاضي بحق على شخص لله تعالى أو لإنسان ثم لا يستوفي منه هذا الحق.

ويقول ابن حزم أيضًا: «وليس من القسط أن يُترك الظالم على ظلمه لا يغيره، وأن يكون الفاسق يعلن الكفر بحضرة الحاكم -أي القاضي- والإقرار بالظلم والطلاق ثم يكون الحاكم يقرّه مع المرأة ويحكم لها بالزوجية والميراث فيظلم أهل الميراث حقهم» .

-كما احتجّوا أيضًا بقول الله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} ، {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} . وجه الدلالة من هاتين الآيتين أنهما أوجبتا على من علم أن شخصًا ارتكب الأسباب الموجبة للزنا والسرقة أن يقيم الحدّ عليه إذا كان ممن يملك إقامتها، والقاضي بحكم مركزه له ولاية إقامة الحدود فكان مأمورًا بذلك، وإذا كان له أن يقضي بعلمه في الحدود كما يُفهم من هاتين الآيتين، فله أن يقضي بعلمه في الحقوق الخالصة للعباد أو المشتركة كالأموال والقصاص.

-وأيضًا يستندون إلى حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- كما في الصحيحين يقول: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ» . وجه الدلالة من هذا الحديث أن فيه أمرًا لك مسلم بتغيير كل منكر يقدر على تغييره، والقاضي يدخل في عموم هذا الحديث دخولًا أوليًا، ومن المنكر الذي لا أشدّ منه أن يترك من رآه يرتكب ما حرم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت