الصفحة 192 من 277

الله بحجة أنه لم تقم عليه عنده بيّنة، مع أنه قادر على تغيير ذلك، فعدم تجويز القضاء بالعلم إهدار لهذا الحديث الشريف. يعني القاضي مأمور أيضًا كبقيّة البشر، وهو علم بالجريمة، فلماذا لا يحكم؟!

ولذلك يقول ابن حزم في (المحلّى) : «والحاكم إن لم يغير ما رأى من المنكر حتى تأتي البينة على ذلك فقد عصى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فصح أن فرضا عليه أن يغير كل منكر علمه بيده وأن يعطي كل ذي حق حقه وإلا فهو ظالم».

-وأيضًا يستدلّون بحديث: عن ابن أبي يحيى بن الأرج عن أبي هريرة قال: «جاء رجلان يختصمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال للمدعي أقم البينة فلم يقمها. فقال للآخر: احلف، فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ماله عنده شيء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هو عندك، ادفع إليه حقه، ثم قال شهادتك أن لا إله إلا الله كفارة يمينك» . هذا الحديث تكلّم فيه وفصّله الإمام الشوكاني في (نيل الأوطار) ، والحديث فيه ضعف. لكن وجه الدلالة من هذا الحديث أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قضى بعلمه بعد وقوع السبب الشرعي وهو اليمين، فالأولى جواز القضاء بالعلم بعد وقوعه.

-وأيضًا هناك حديث: عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إِلَى النَّبِي -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا قَدْ غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي كَانَتْ لأَبِى. فَقَالَ الْكِنْدِيُّ هِي أَرْضِى فِي يَدِى أَزْرَعُهَا لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لِلْحَضْرَمِيِّ «أَلَكَ بَيِّنَةٌ» . قَالَ لاَ. قَالَ «فَلَكَ يَمِينُهُ» . قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ فَاجِرٌ لاَ يُبَالِى عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيء. فَقَالَ «لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلاَّ ذَلِكَ» فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لَمَّا أَدْبَرَ «أَمَا لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا لَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ» . هذا الحديث في مسند الإمام أحمد وفي مسلم أيضًا. وجه الدلالة من هذا الحديث أن لفظ بيّنة شامل لكل ما يبين الحق ويظهره وعلم القاضي يحقق هذا الغرض؛ فكان داخلًا في مسمى البيّنة. هم يقصدون أن علم القاضي يُعتبر بيّنة، ولذلك استدلّوا بهذا الحديث.

-واستدلّوا أيضًا بحديث سعد بن الأطول: عَنْ أَبِى نَضْرَةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ الأَطْوَلِ أَنَّ أَخَاهُ مَاتَ وَتَرَكَ ثَلاَثَمِائَةِ دِرْهَمٍ وَتَرَكَ عِيَالًا فَأَرَدْتُ أَنْ أُنْفِقَهَا عَلَى عِيَالِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- «إنَّ أَخَاكَ مَحْبُوسٌ بِدَيْنِهِ فَاقْضِ عَنْهُ» . فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ أَدَّيْتُ عَنْهُ إِلاَّ دِينَارَيْنِ ادَّعَتْهُمَا امْرأَةٌ وَلَيْسَ لَهَا بَيِّنَةٌ. قَالَ «فَأَعْطِهَا فَإِنَّها مُحِقَّةٌ»

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت