فهرس الكتاب
-استندوا إلى قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} . المخالفون لهم ردّوا عليهم وقالوا: لا دلالة في هذه الآية على عدم جواز القضاء بالعلم الشخصي للقاضي، وذلك لأن الاقتصار على الشهود لا يستلزم عدم ثبوت الحد بغيرهم، فمن المسلم به أن المقذوف لو أقر بما نُسب إليه لسقط الحد عن القاذف، وإن لم يأت بأربعة شهداء، مع أن ذلك لم يُذكر في الآية.
-وحديث المرأة التي قال فيها الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتُهَا» . المخالفون لهم قالوا: هذا الحديث لا يدلّ على عدم القضاء بالعلم؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يعلم بزنا تلك المرأة. وإنما قامت لديه قرائن توحي بارتكابها لذلك، فترك رجمها راجع لعدم قيام دليل قاطع على صدور الزنا منها. والأمور التي تدل على زناها مجرد قرائن وهي غير صالحة لبناء الحكم عليها. ولو سلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال ذلك في شأن الملاعنة فإنه لا يصلح للاحتجاج به على منع القضاء بالعلم لأنه عليه السلام إنما لم يقض بعلمه لكونه قد تم اللعان بينها وبين زوجها وهو وحده كاف لدرء الحد.
الشوكاني يقول: «وظاهره أنه -صلى الله عليه وسلم- قد علم وقوع الزنى منها ولم يحكم بعلمه. ومن ذلك قول أبي بكر وعبد الرحمن المتقدمان، ويمكن أن يجاب عن الحديث: بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما لم يعمل بعلمه لكونه قد حصل التلاعن، وهو أحد الأسباب الشرعية الموجبة للحكم بعدم الرجم والنزاع إنما هو في الحكم بالعلم من دون أن يتقدم سبب شرعي ينافيه» . يعني الرجم هنا انتفى باللعان، فالرسول لم يحكم بعلمه.
-وأيضًا هناك حديث أم سلمة: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلاَ يَأْخُذْهَا» . قال لهم المخالفون: هذا الحديث لا تقوم به حجة لهم لأن التنصيص على السماع لا يغني كون غيره طريقًا للحكم، مع أنه يمكن أن يقال إن الاحتجاج بهذا الحديث للذين يجيزون القضاء بالعلم أظهر فإن العلم أقوى من السماع لأنه لا يمكن بطلان ما سمعه الإنسان ولا يمكن بطلان ما يعلم. والإمام ابن عبد البر ذكر أن الرواية تقول «ما أسمعه» ولم يقل «ما أعلمه» منكم.
-وردّوا أيضًا على حديث (شاهداك أو يمينه) : هذا الحديث قد خالفه المالكيون المحتجّون به، فجعلوا له الحكم باليمين مع الشاهد، واليمين مع نكول خصمه، وليس هذا مذكورا في الخبر، وجعل له الحنفيون الحكم بالنكول