الصفحة 197 من 277

وليس ذلك في الخبر، وأمروه بالحكم بعلمه في الأموال التي فيها جاء هذا الخبر، فقد خالفوه جهارا وأقحموا فيه ما ليس فيه. هذا الكلام طبعًا من تشنيعات ابن حزم.

ويضيف ابن حزم: «وأما نحن فنقول إنه قد صحّ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (بيّنتك أو يمينه) ومن البيّنة التي لا بينة أبين منها صحة علم الحاكم -أي القاضي- بصحة حقه، فهو في جملة هذا الخبر» .

ابن حزم يعتبر أنه من ضمن البيّنة ليست قضية شهادة الشهود فقط، البيّنة هنا أيضًا علم القاضي.

-وردّوا أيضًا على قصة أبي جهم بن حذافة، قالوا: أما قصة أبي جهم فليست من القضاء في شيء، وإنما هي من باب السياسة الشرعية وتأليف القلوب، وتقوية الإيمان في النفوس، فقد أراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يضرب لأصحابه مثلًا في التسامح والعفو.

-ثم ردّوا على كل الآثار المروية عن أبي بكر، وعمر، قالوا: لا يصح الاحتجاج بها إذ هي معارضة لما روي عنه في تجويز القضاء بالعلم.

وابن حزم تكلّم في هذا الموضوع بالتفصيل، وذكر ابن عبد البرّ جميع الآراء أيضًا في (الاستذكار) .

هذه مناقشة أدلّة الرأي الأول.

• الذين قالوا بجواز أن يحكم القاضي بعلمه الشخصي:

-استدلّوا بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} .

فأجاب أصحاب الرأي الذي لا يجيز أن يحكم القاضي بعلمه بقولهم: لا دلالة فيه على جواز القضاء بالعلم وذلك لأن القاضي إنما لم يحكم للمظلوم لأنه لم يأت بحجة يستند القاضي عليها في حكمه. فالحاكم معذور إذ لا حجة معه يوصل بها صاحب الحق لحقه. وفي هذه الحالة لا يكون ممتنعًا من القيام بالقسط.

-واستندوا إلى قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} ، وقوله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت