فهرس الكتاب
فأجاب الرأي الآخر: إن آيتي الزنا والسرقة إنما نزلتا لبيان العقوبة الواجبة على من ارتكب هذين الفعلين لا لبيان الطرق التي يحكم بها الحاكم.
-واستندوا إلى حديث أبي سعيد الخدري: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ» .
فأجاب الرأي الآخر المخالف لهم: هذا لا يدل على جواز الحكم بالعلم ذلك لأنه أمر بتغيير ما يعلم الناس أنه منكر بحديث لا يتطرق إلى المغير تهمة في ذلك. أما أن يعمد القاضي إلى رجل مستور لم تقم أدلة على ارتكابه منكرًا فيرجّحه، ويقول رأيته يزني، أو يقطع يده، ويقول رأيته يسرق فإن ذلك يؤدي إلى تطرق التهمة إليه والتشكك في الدوافع التي حدت به إلى ذلك، وإن فتح هذا الباب يفضي إلى أن يجد كل قاض السبيل مهيئًا لقتل عدوه، أو التشهير به خاصة إذا كانت العداوة خفية، لا يتمكن المقضي عليه من إثباتها فلم يجز بهذا الحديث على إطلاقه. وفضلًا عن ذلك فإن تغيير المنكر ليس من القضاء وإنما هو من باب الحسبة.
-وأما استدلالهم بحديث أبي هريرة: «جاء رجلان يختصمان إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال للمدعي أقم البينة فلم يقمها. فقال للآخر: احلف، فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ماله عنده شيء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هو عندك، ادفع إليه حقه، ثم قال شهادتك أن لا إله إلا الله كفارة يمينك» .
أجاب المخالفون لهذا الرأي بقولهم: هذا حديث ضعيف فقد: «أعلّه ابن حزم بأبي يحيى وهو مصدع المعرقب، كذا قال ابن عساكر، وتعقّبه المزّي بأنه وهم بل اسمه زياد. المهم ضعّفوا الرواية هذه.
-وأيضًا استدلّوا بحديث: (بينتك أو يمينه) .
فردّ عليهم المخالفون لهم قالوا: إن البينة اسم لما يبين الحق بحيث يظهر المحق من المبطل، ويبين ذلك للناس، وعلم الحاكم ليس ببيّنة. كما أن هذا الحديث لا يصلح أن يكون حجة على محل النزاع، لأن بعض رواياته لم يرد فيها لفظ بينة، فقد ورد في مسند أحمد:» عَنِ الأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ كِنْدَةَ وَرَجُلًا مِنْ حَضْرَمَوْتَ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «الحديث الطويل الذي ذكرته لكم، يقولون إنه لا يوجد فيه لفظة بيّنة.
-وأما استدلالهم بحديث سعد بن الأطول: عَنْ أَبِى نَضْرَةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ الأَطْوَلِ أَنَّ أَخَاهُ مَاتَ وَتَرَكَ ثَلاَثَمِائَةِ دِرْهَمٍ وَتَرَكَ عِيَالًا فَأَرَدْتُ أَنْ أُنْفِقَهَا عَلَى عِيَالِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- «إنَّ أَخَاكَ مَحْبُوسٌ بِدَيْنِهِ -عند