فهرس الكتاب
الله سبحانه وتعالى، في البرزخ يعني- فَاقْضِ عَنْهُ». فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ أَدَّيْتُ عَنْهُ إِلاَّ دِينَارَيْنِ ادَّعَتْهُمَا امْرأَةٌ وَلَيْسَ لَهَا بَيِّنَةٌ. قَالَ «فَأَعْطِهَا فَإِنَّها مُحِقَّة» .
أجاب المخالفون قالوا: لا وجه للاحتجاج به لأنه ليس في محل النزاع، إذ المرأة لم تطلب منه أن يحكم لها بالدينارين، وإنما استفتى الرجل الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيما أودعته فأمره النبي -صلى الله عليه وسلم- بإعطائها احتياطًا وإبراءً لذمّة الميت. فهذا الحديث من قبيل الفُتيا وليس من باب القضاء بالعلم. ومع التسليم بأنه عليه السلام حكم لها بعلمه فإنه لا يصح الاستدلال به، لأن المنع من القضاء بالعلم إنما هو لأجل التهمة وهي منقبةٌ في حقه -صلى الله عليه وسلم-، ومنفية، الرسول -صلى الله عليه وسلم- منفي عنه هذه التهمة.
وقال الإمام ابن القيم: «فإن المنع من حكم الحاكم بعلمه إنما هو لأجل التهمة وهي معلومة الانتفاء من سيد الحكام -صلى الله عليه وسلم-» . يعني حتى لو سلّمنا أن الرسول حكم بعلمه، فهي بالنسبة للرسول هذه منفية، أما في غيره من القضاة فلا نسلّم بها.
-واستدلّوا بحديث هند بت عتبة في فتح مكة لما دخل النبي -صلى الله عليه وسلم-: أَنَّ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي، إِلاَّ مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهْوَ لاَ يَعْلَمُ فَقَالَ «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» .
قال ابن القيم: «هذا الاستدلال ضعيف جدًا. فإن هذا إنما هو فُتيا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لا حكم. ولهذا لم يحضر الزوج، ولم يكن غائبًا عن البلد -يعني أبو سفيان-، والحكم على الغائب عن مجلس الحكم الحاضر في البلد غير ممتنع وهو يقدر على الحضور ولم يوكل وكيلًا، لا يجوز اتفاقًا. وأيضًا فإنها لم تسأله الحكم، وإنما سألته (هل يجوز لها أن تأخذ ما يكفيها ويكفي بنيها) وهذا استفتاء محض، فالاستدلال به على الحكم سهو» . أي من العلماء الذين استدلّوا به.
وقال الشوكاني: ومن جملة ما استدلّ به البخاري على الجواز -أي جواز أن يقضي القاضي بعلمه، لأن الإمام البخاري يميل إلى هذا- حديث هند زوجة أبي سفيان لما أذن لها النبي -صلى الله عليه وسلم- أن تأخذ من ماله ما يكفيها وولدها. قال ابن بطال: احتجّ من أجاز للقاضي أن يحكم بعلمه بهذا الحديث لأنه إنما قضى لها ولولدها بوجوب النفقة لعلمه بأنها زوجة أبي سفيان، ولم يلتمس على ذلك بينة. وتعقبه الإمام ابن المنيّر بأنه لا