فهرس الكتاب
دليل فيه لأنه خرج مخرج الفُتيا وكلام المفتي يتنزل على تقدير صحة كلام المستفتي، انتهى. فإن قيل إن محل الدليل إنما هو عمله بعلمه أنها زوجة أبي سفيان فكيف صحّ هذا التعقّب. فيُجاب بأن الذي يحتاج إلى معرفة المحكوم له هو الحكم لا الإفتاء، فإنه يصحّ للمجهول، فإذا ثبت أن ذلك من قبيل الإفتاء بطلت دعوى أنه حكم بعلمه أنها زوجة أبي سفيان. وقد تعقّب الحافظ (ابن حجر العسقلاني) كلام ابن المنيّر فقال: وما ادعى نفيه بعيد، فإنه لو لم يعلم صدقها لم يأمرها بالأخذ، واطلاعه على صدقها ممكن بالوحي دون سواه، فلا بد من سبق علم. ويُجاب عن هذا بأن الأمر لا يستلزم الحكم؛ لأن المفتي يأمر المستفتي بما هو الحق لديه وليس ذلك من الحكم في شيء.
-وأيضًا استدلّوا بحديث أبي سعيد الخدري: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ) .
فأجاب المخالفون لهم بقولهم: ليس في هذا الحديث ما يدل صراحة أو ضمنًا على تجويز القضاء بالعلم، وغاية ما تضمنه الحثّ على الجهر بالحق دون اعتبار لأحد هذا إنما يتصور فيما يعلم الناس أنه حق، ولكن لا يجرؤون على التصريح به خوفًا مما قد يلحقهم من وراء ذلك. وهذا بخلاف ما ينفرد القاضي بعلمه، فإنه لا يدري أحكم بحق أم بباطل فيكون عرضة للاتهام.
الناس لا تعلم، هذا شيء خفي لا يعلمه إلا القاضي، فالناس ممكن تتهم القاضي.
وابن القيم من الذين لا يجيزون أن يحكم القاضي بعلمه، قال: «هو مأمور بتغيير ما يعلم الناس أنه منكر، بحيث لا يتطرق إليه تهمة في تغييره. وأما إذا عمد إلى رجل مع زوجته وأمته قط، ففرّق بينهما، وزعم أنه طلق وأعتق. فإنه ينسب ظاهرًا إلى تغيير المعروف بالمنكر، وتطرّق الناس إلى اتهامه والوقوع في عرضه. وهل يسوغ للحاكم أن يأتي إلى رجل مستور بين الناس، غير مشهور بفاحشة، وليس عليه شاهد واحد بها، فيرجمه، ويقول: رأيته يزني؟ أو يقتله ويقول: سمعته يسبّ؟ أو يفرق بين الزوجين، ويقول: سمعته يطلق؟ وهل هذا إلا محض التهمة؟ ولو فتح هذا الباب ولا سيما لقضاة الزمان -أي في زمانه هو في القرن الثامن الهجري! - لوجد كل قاض له عدوٌّ السبيلَ إلى قتل عدوه ورجمه وتفسيقه، والتفريق بينه وبين امرأته، ولا سيما إذا كانت العداوة خفية، لا يمكن عدوه إثباتها، وحتى لو كان الحق هو حكم الحاكم بعلمه، لوجب منع قضاة الزمان من ذلك. وهذا إذا قيل في شريح، وكعب بن سُوّار، وإياس بن معاوية، والحسن البصري، وعمران الطلحي، وحفص بن غياث، وأضرابهم: كان فيه ما فيه» . فما بالك بقضاة زماننا يعني، إذا كان هذا لم يكن يجوز لهؤلاء القضاة، فما بالك بمن بعدهم!