الصفحة 202 من 277

الحنفية: إذا علم الحاكم بشيء من حقوق العباد في زمن ولايته ومكانها جاز له أن يقضي به. أما ما علمه قبل ولا يته أو غير مكان ولا يته، فلا يقضي به عند أبي حنيفة. وخالفه أبو يوسف ومحمد بن الحسن فقالا: يقضي به كما في حال ولايته. أما الحدود فلا يقضي بعلمه فيها، لأنه حق لله تعالى إلا في حد القذف فإنه يقضي بعلمه لما فيه من حق العباد.

أما الظاهرية وعلى رأسهم الإمام ابن حزم: يقضي القاضي بعلمه في الدماء والأموال والقصاص والحدود سواء قبل ولايته أو بعد ولايته.

هذا ملخّص لجميع الآراء.

الرأي المختار:

أقول وبالله التوفيق بعد تمحيص كل هذه الآراء وبعد هذا العرض، فإنني أرى شخصيًا: رجحان الرأي القائل بعدم جواز أن يحكم القاضي استنادً إلى علمه الشخصي بالوقائع المعروضة عليه، سواء في الحدود، أو في الحقوق المشتركة كالقصاص، وخاصة في إثبات جريمة القتل العمد للأدلّة التي استند إليها القائلون بهذا الرأي.

ثانيًا: قضاء القاضي بعلمه الشخصي وإن كان مستساغًا في بعض الأزمنة خاصة في صدر الإسلام، فإن تجويزه في أيامنا أمرٌ يصعب تصوره لأن الإيمان قد ضعف، ولأن كثيرًا من الناس يضعون مصالحهم الشخصية في المقام الأول دون إقامة وزن لموقف الشرع وتعليماته حتى لو وجد بعض القضاة الأمناء ذوي السمعة الطيبة، لكن ماذا عسانا أن نفعل في قضاة الغد ونحن لا نعلم عنهم شيئًا، والاحتياط لدماء الناس وأعراضهم وأموالهم أمرٌ في غاية الأهمية لا نقبل في ذلك تفريطًا ولا تساهلًا. وما أحسن قول ابن القيم في هذه القضية: «ولقد كان سيد الحكّام صلوات الله عليه وسلامه يعلم من المنافقين ما يبيح دماءهم وأموالهم، ويتحقق ذلك، ولا يحكم فيهم بعلمه، مع براءته عند الله وملائكته، وعباده المؤمنين من كل تهمة، لئلا يقول الناس إن محمدًا يقتل أصحابه. ولما رآه بعض أصحابه مع زوجته صفية بنت حيي قال: (رويدكما إنها صفية بنت حيي) لئلا يقع في نفوسهما تهمة له. ومن تدبّر الشريعة وما اشتملت عليه من المصالح وسد الذرائع تبيّن له الصواب في هذه المسألة» هذه الدرر من كلام ابن القيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت