الصفحة 203 من 277

ثالثًا: كما أن القضاة بشرٌ يجوز عليهم ما يجوز على غيرهم أو كما قال الشافعي: (لولا قضاة السوء لقلت إن القاضي يحكم بعلمه) . كما أن كثيرًا من المحكوم عليهم لا تسلم بسهولة بتلك الأحكام الصادرة عليهم سيحاولون الطعن فيها بمختلف الطرق على أسباب ظاهرة، فكيف يكون الوضع إذا أُعطي القضاة الحق بالاعتماد على معلوماتهم الشخصية في الوقائع المنظورة أمامهم. أو ليس في هذا المنع: حماية للقاضي نفسه ولمكانة القضاء من أن تزلزل في نفوس الناس. يعني أنا في القضية ممكن أطعن في الشهود، ممكن المتهم يطعن في أشياء معيّنة ظاهرة، البيّنات هذه أو الأدلة أو القرائن يناقشها، لكن ماذا عساي أن أتناقش في القاضي، القاضي هو الصندوق الأسود فيه كل شيء، لا أحد يعلمه. كذلك فإن صفة القاضي بالنسبة لمعلوماته الشخصية أنه (شاهد) وثمة تناقض بين صفتي القاضي والشاهد.

يعني في هذه الحالة المعلومات الشخصية للقاضي لا تعرض في جلسة المحكمة ولا تتاح فرصة مناقشتها وتقويمها ومن ثم الاعتماد عليها مناقضًا لمبدأ الشفوية والمواجهة الذي يسود مرحلة المحاكم. يعني نحن في أول الدورة قلنا مكان القاضي يكون مفتوحًا لكل الناس، وأنه لكل أحد أن يستمع وأن يجلس، لكن الآن القاضي سيصدر الحكم وانتهى، يقول أنا اطلعت وعلمت وانتهى الأمر، هذا يحكم عليه بالقتل، وهذا بالقطع، وهذا يفرّق بينه وبين زوجته أو بأي حق من الحقوق. كما أرى أننا لو أخذنا برأي من يرى جواز أن يقضي القاضي بعلمه الشخصي لكان هذا أشبه بما يُسمى بـ «سرية الأدلة» ولا أحد يستطيع أن يطّلع عليها. وأن هذه الأدلة السرية معلومات استخباراتية تعرض على القاضي ولا يطلع عليها المتهم. حتى في القوانين الغربية عندهم ما يُسمى «الأدلة السرية» لا يطّلع عليها إلا رجال الاستخبارات يطلعون القاضي عليها. وهذا قريب الشبه من الذي يحكم بعلمه الشخصي في قضايا معينة وأننا لا نستطيع أن نطّلع لأن هذا في علم القاضي الشخصي، ولا أحد يستطيع أن يناقش هذه الأدلة.

خامسًا وأخيرًا: درءًا للشبهات وسدًا للذرائع أرى: ألا يقضي القاضي بعلمه الشخصي، وله أن يتنحّى عن نظر القضية ويحيلها لقاض آخر، ثم يتقدم للشهادة كشاهد وليس كقاض كما هو معمول به حتى في القوانين الوضعية وحتى في القوانين الحديثة.

وعندنا في الشريعة يجوز للقاضي أن يتنحّى، ويتقدم بشهادته، وهذا القاضي من العدول ومشهور أنه قاضي عدل. إذًا سيأتي ويتقدم لقاض آخر، ويتنحّى ويقول إنه رأى هذا الرجل يقتل، أو يسرق، أو أن هذا الرجل طلّق

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت