فهرس الكتاب
قاضي. وهذا كان من أيام الخلافة الراشدة إلى هذه العصور المتأخرة هو المعمول به، حتى في ظل دولة إسلامية، حتى في ظل دولة فيها قضاة مسلمون يحكمون بالشريعة.
طيب ما أهم ركن في التحكيم؟ نحن قلنا التحكيم هو تولية الخصمين حاكمًا يحكم بينهما، وقلنا هو إذا حكّم خصمان رجلًا من الرعيّة ليقضي بينهما فيما تنازعاه في بلد فيه قاضي أو ليس فيه قاض جاز كما يقول الإمام الماوردي. يعني التعريف العام سواء يوجد قاضي أو لم يوجد فيه قاضي، الركن الأساسي هنا في طبيعة هذا التحكيم هو الرضا، يعني إيجاب وقبول. يعني يتفق خصمان -إيجاب قبول- على اختيار شخص معين أو أشخاص معينين أن يحكموا بينهما. طالما اتفق الطرفان وذهبا إلى المحكّم أو إلى الحكم واختاراه جميعًا فهذا إيجاب وقبول.
نفترض اتفق طرف واحد ولم يوافق الآخر فهنا يبطل التحكيم، لأنه لا بد أن يتراضى الاثنان. إذًا فيه إيجاب وقبول، وفيه شخص هو المحكّم يلجئان إليه، ويكون أهلًا للقضاء طبعًا، وأيضًا لموضوع الدعوى المتنازع عليها.
المشكلة هنا في موضوع الدعوى المتنازع عليها. هناك تفاصيل كثيرة أنا أعرض عنها حتى لا تتشتت أذهانكم. لأن العلماء اختلفوا قالوا نعم التحكيم جائز في أشياء معيّنة. يعني بعضهم قصرها في المال، بعضهم قصرها في مسائل في زواج وطلاق، بعضهم قال لا يجوز في الحدود ولا في القصاص، وحتى في الحدود قالوا ليس كل الحدود ولكن حد القذف لأن فيه اعتداء على الإنسان نفسه، لأنك سببت إنسانًا مثلًا أو شخصًا معينًا، فيجوز في هذه الحالة، وبعضهم قال لا يجوز. إذًا تكاد معظم الآراء بسبب وجود مسألة الحدود والقصاص تتشدد فيها. والأمور المتعلّقة بالدماء والتعزيرات واللعان والتي فيها إثبات وسجلّات للقاضي وغير ذلك، فكان هناك قضاة الناس تلجأ إليهم في هذه الحالة، وهو الذي ينفّذ، وعنده القوة الجبرية ليفعل ذلك. فقالوا المحكّم هذا ليس إلا في الأشياء البسيطة التي يأتي إليها الطرفان، وأما في الحدود وحقوق الله الخالصة وغير ذلك لا يجوز له التحكيم.
لكن سنمحّص الموضوع ونرى ما هو الرأي الراجح في هذه المسألة:
هناك رأي يقول: يجوز التحكيم في جميع الأحكام كالحدود، والقصاص، والنكاح، واللعان، وغيرها. هذا المذهب موجود عند الحنابلة، وبه قال الإمامية أيضًا، وبعض الشافعية والظاهرية. يعني هو كل مذهب ستجد فيه عدة آراء؛ لذلك نقول رأي عند الشافعية فليس معناها كل الشافعية، أو أحيانًا نقول هذا هو المشهور عند الحنابلة