فهرس الكتاب
أو عند المالكية، فهذه عبارات العلماء في ذلك. فهو المذهب يعني المعتبر أو المشهور عند الحنابلة كما قال المرداوي في الإنصاف.
والإمام أبو الخطاب أيضًا قال: «وهو المذهب جزم به في الوجيز وغيره وقدّمه في الخلاصة، والرعايتين، والحاوي الصغير، والفروع» . لأن هناك آراء أخرى في نفس مذهب الحنابلة.
وأيضًا بعض الشافعية والظاهرية أيضًا يقولون يجوز التحكيم في جميع الأحكام، كالحدود، والقصاص، والنكاح، واللعان، وغيرها.
هذا رأي. وأنا سأرجع إليه مرة ثانية في حالة أخرى.
هناك رأي ثاني يقول: لا يجوز التحكيم في الحدود الواجبة حقًا لله تعالى. هذا قول للحنفية، الروايات متفقة على ذلك، وهي أن الإمام هو المتعيّن لاستيفائها لأنها حق لله تعالى، فالإمام هو الذي ينفّذ الحدود عندهم، وأن حكم الحكم بمنزلة الصلح وهذه لا تجوز بالصلح فلا تجوز بالتحكيم. والمحكّمان لا يملكان إباحة دمهما فلا يجوز حكم الحكم فيهما لتوقف حكمه على صحّة تحكيمهما، فمن عليه الحدّ لا يقيمه على نفسه، فكذلك ليس للحكم أن يقيم شيئًا من ذلك. إذًا هؤلاء يمنعون المحكّم أن يحكم في قضايا الحدود، وخاصة الحدود الواجبة لله تعالى كالزنا مثلًا. يقولون: حكم الحكم ليس بحجة في حق غير المحكّمين فكانت فيه شبهة. يعني هو حجة قاصرة على الخصمين الذين تراضيا على أن يذهبا إليه. لكن الفارق بينهما وبين القاضي المعيّن أن القاضي المعيّن الحكم عنده عام، هو يحكم بين شخصين ولكن هو يلزم الجميع. أما أحكام المحكّم فتكون خاصة بهذين الطرفين فقط.
طبعًا الأحناف شدّدوا في هذا الأمر. عندهم رأي يقولون حتى لا يجترأ العوام على التحكيم، ولذلك لهم فتاوى قديمة يقولون بالجواز ولكن لا يُفتى به حتى لا يجترأ العوام على هذا التحكيم ويضيع جناب القضاء وهيبة القضاء. يقصدون القضاء الشرعي وليس القضاء الذي يحكم بغير ما أنزل الله هذا. فحتى لا يجترأ الناس على التحكيم ويحكّمون أناسًا لا يكونون أهلًا للقضاء، ولذلك كانوا يضيّقون المسألة، فيقولون يجوز ولكن لا يُعمل به. هذا عند الأحناف.