فهرس الكتاب
وهذا الكلام الذي أقوله منسوب إلى الإمام شمس الأئمة الحلواني، وأنا ذكرته من قبل في مقدمة الكتب، يقول: ظاهر المذهب أنه يجوز، إلا أن الإمام الأستاذ أبا علي النسفي كان يقول يُكتم هذا الفصل ولا يُفتى به كي لا يتطرّق الجهّال إلى ذلك فيؤدي إلى هدم مذهبنا.
لكن نحن نقول لا يُحكم أي إنسان، المفروض الذي يحكّم يكون بالشروط الصارمة، على الأقل يكون من أهل العلم، ويصلح للقضاء، وليس أي واحد جالس في المسطبة وفي الشارع هكذا نذهب نعيّنه. فهنا لو أخذنا بالشروط هذه ففعلًا التحكيم مثل القاضي، المحكّم هو قاضي أصلًا.
إذًا هؤلاء العلماء أجازوا التحكيم في كل شيء؛ التحكيم في الطلاق، التحكيم في اللعان، التحكيم في الحدود، التحكيم في القصاص، التحكيم في كل الأحكام الشرعية، لكن بعضهم قيّده بحدود معينة؛ ممكن التحكيم في حد القذف فقط، والتحكيم في أشياء معيّنة. وهناك منهم من منع حتى القصاص، قال لا يجوز التحكيم حتى في القصاص، ولا الدماء، ولا اللعان.
هذا القول لا يجوز التحكيم في القصاص هو قول الإمام أبي حنيفة، والإمام الخصّاف ذكر ذلك في (أدب القاضي) ، ومعظم كتب الأحناف، وذكرها ابن عابدين أيضًا، والإمام الكاساني في (بدائع الصنائع) ، والإمام ابن الهمام، وابن نجيم، وابن عابدين، وصاحب الغاية أيضًا. فكل هؤلاء ذكروا أنه لا يجوز التحكيم في القصاص، يعني عند الأحناف.
قالوا لأن القصاص كالحدود، ولا ولاية للمحكّمين على دمهما ولهذا لا يملكان الإباحة. حكم الحكم ليس بحجة في حق غير المحكمين.
إذًا الحجة عندهم أن القصاص كالحدود وهو من حق الوالي والحكم ليس بولي، على العموم يعني، لأن القاضية ولايته عامة، يعني القاضي معين من قبل السلطان فولايته تشمل كل الرعية الذين عيّنهم السلطان. يقول مثلًا أنت قاضي في البصرة، فيكون قضائك عامًا لكل أهل البصرة، أو يقول أنت قاضي في كل الولايات الإسلامية وأنت قاضي عام لكل دول الإسلام أي ما يُسمى قاضي القضاة. أما المحكّم فهو ولايته فقط قاصرة وحكمه قاصر فقط على المتخاصمين.