الصفحة 12 من 20

إلاّ الرفض والإنكار، لما يترتب على شيوعه من توهين للعزائم، وتمييع للنفوس، وتعطيل للطاقات، ونشر للتخنث، ومن هنا جاء الحكم برد شهادة المحترف للغناء في القضاء الإسلامي، كما فعل ذلك القاضي المصري الفاضل حين رد شهادة مغنّ، على الرغم من سخط الفنانين ومَن وراءهم - جزاه الله خيرًا -

الدف والمعازف:

ثم احتجاج بعضهم بالدف لإباحة المعازف، على اختلاف أشكالها فمردود بإجماع الأئمة الأربعة على تحريم آلات اللهو جميعا لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه البخاري وغيره: (ليكونن من أمتي أقوام يستحلُّون الحر والحرير والخمر والمعازف) .

وممّا يسترعي الانتباه في الحديث جمعه صلى الله عليه وسلم بين هذه المنكرات الأربع، بما يشير إلى ارتباط بعضها ببعض، وإلى انسلاخ أصحابها من أخلاق الإسلام، ولهذا لم يرد في سائر الآثار التي عرضت للغناء المباح ذكر لغير الدف - أو الغربال وهما واحد - من أدوات اللهو، مع أنّ العرب قد عرفوا العديد من الآلات الوترية وغيرها أثناء. وإنما دخلت على المسلمين هذه الموسيقي المفلسفة في القرن الثالث على أيدي الفارابي وابن الراوندي وابن سينا وأضرابهم تأثرًا بما قرؤوه عنها في تعاليم أرسطو وأتباعه من المشائين، فهي والحالة هذه فن دخيل لا علاقة له بالإسلام، ولا سبيل لإفراغ الصبغة الإسلامية عليه، مهما تكلف المتكلفون، ودبج في الترويج له الكاتبون والمؤلفون!

وأخيرًا أن كثيرين من المخدوعين بدعايات اللهو مأخوذون بالقول أنّ للموسيقي أثرها البالغ في إرهاف الشعور وترقيق القلوب، وتزكية النفوس، وتهذيب الأخلاق، وهو ما ذهب إليه اتباع الفلسفة اليونانية، من المتهمين بدينهم في العصر العباسي وبخاصة أصحاب"رسائل إخوان الصفا". والواقع أنّ الموسيقي سواء كانت خالصة أو مزيجة بالغناء إنما هي ضرب من وسائل التهييج والتخييل، كأيّ صنف من المخدرات المشتتة للوعي, وهذا ما حفّز هؤلاء إلى أن يدّعوا ما نسبوه إليها من الخصائص، وليس زعمهم هذا إلا كزعم مدمني الخمر والمخدرات حين يقولون: إنها تمنحهم لحظات من السعادة لا سبيل إليها إلا عن ذلك الطريق.

والحق أنّ الأمر على خلاف ما يزعم غواة هذه الفنون، ولو صح بعض ما ادعوه للموسيقى من فضيلة لظهر في أخلاق الغربيين، الذين يعتبرونها غذاءهم النفسي، وعبادتهم اليومية .. ومع ذلك فهم أقسى الخلق قلوبا، وأشدهم بغيا وظلما واستكبارا على عباد الله، واستهتارا بحقوق الضعفاء .. وقد حدث أن زميلا لي كان يتحدث ذات يوم عن الموسيقى حتى ليقول: إنها تجعل من وحشي الطباع إنسانا رقيقا رفيعا. وكان ذلك أثناء الثورة الجزائرية، وقد انطلق الوحش الفرنسي يدمّر الجزائر على رؤوس أبنائها، فقلت: لذلك ترى الفرنسيين يقتلون إخوانك على أنغام الموسيقى! ولمدمني الغناء المشغولين به يقربهم من الله - عياذا بالله - نقول: على رسلكم فاسمعوا إلى شهادة ابن مسعود رضي الله عنه في هذا الضرب من اللهو إذ يقول: (الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع [1] وأي نفاق أكبر من أن يسمع أحدهم كتاب الله يرتّل، وحديث رسوله يتلى فلا تحنُّ جوارحه ولا يوجل قلبه، ثم لا يتمالك أن يصعق - كابن أبي ربيعة - أو يكاد إذا مرّ بسمعه ترجيع غانية على لحن معزف!

ولأنصار الغناء وعشّاق نجومه نقول أيضا: بوسعكم أن تستنصروا لقضيتكم بتلاميذ الفلسفة الإغريقية، وبإخوان الصّفا الباطنية، وبسيفا راقصة المعابد الهندية، وحتى بالحواة الذين يستخرجون الثعابين من جحورها بالمعازف والألحان الغنائية .. أمّا أن تحاولوا الاتكاء على الإسلام في ترويج بضاعتكم فجهد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت