شيء)، وقول الذي أفتى: (أن الغناء لم يحرمه حديث شريف و لا سنة نبوية) !
ومع هذا فلا بأس بأن أورد لمن قالوا"الغناء المحتشم ليس حراما"من أصح كتابين بعد القرآن الكريم - البخاري ومسلم -
عن عائشة رضي الله عنها قالت: (دخل عليّ النبي صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث فاضطجع على الفراش وحول وجهه ودخل أبو بكر فانتهرني، وقال:"أمزمار الشيطان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!"، فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:"دعهما"، فلما غفل غمزتهما فخرجتا) .
أن الرسول لم ينكر على أبي بكر قوله عن الغناء - غناء جاريتين عند سيدة بما لا فحش فيه ولا شبهه -: (مزمار الشيطان) ، وإنما أقرهما الرسول لأنهما جاريتان غير مكلفتين تغنيان بغناء الأعراب الذي قيل يوم بعاث من الشجاعة والحرب، وكان اليوم يوم عيد.
وقد حكى أبو عمرو بن الصلاح الإجماع على تحريم السماع الذي جمع الدف والشبابة، فليرجع من شاء إلى فتاويه، في ذلك ينتهي معه إلى قوله: (ومن يتتبع ما اختلف فيه العلماء، أو أخذ بالرخص من أقاويلهم تزندق أو كاد) اهـ
وقال أبو سليمان الدراني: (لو أخذت برخصة كل عالم، وزلة كل عالم، اجتمع فيك الشر كله) .
وقال ابن قيم الجوزية رحمه الله في كتابه"إغاثة اللهفان": (قد تواتر عن الإمام الشافعي رضي الله عنه قوله؛"خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير - وهو كما قال ابن دريد - تهليل أو ترديد صوت بقراءة وغيرها - يصدون به الناس عن القرآن) ."
فإذا كان قول الشافعي في التغبير - وهو من الرجال أيها الناس - وتعليله له أنه يصد عن القرآن وهو شعر مزهد في الدنيا يغني به مغن ويضرب بعض الحاضرين بقضيب على نطع أو حجرة على توقيع غناء، فليت شعري ما يقول في سماع - التغبير عنده كنقطة في بحر - قد اشتمل على كل مفسدة وجمع كل محرم؟ فالله بين دينه وبين كل متعلم مفتون وعابد جاهل.
وقد كتب خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز لمؤدب ولده: (ليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي التي بدؤها من الشيطان وعاقبتها سخط الرحمن، فإنه بلغني عن الثقات من أهل العلم أن صوت المعازف واستماع الأغاني واللهج بها ينبت النفاق في القلب كما ينبت العشب في الماء) [ذكره الإمام ابن القيم] .
ولابن القيم رحمه الله تنبيهان، في كتابه"إغاثة اللهفان"يصف في أولهما المعكوف على السماع بما يشمئز به عن السماع ذووا القلوب وساق المذاهب الأربعة في السماع.
ويذكر في ثاني التنبيهين في"إغاثة اللهفان"أن السماع من الأجنبيات من أعظم المحرمات وأشدها إفسادا للدين ... وقال فيه: (وما خالف في الغناء إلا رجلان، إبراهيم بن سعيد والعنبري، فإن الساجي حكى عن الأول؛ أنه كان لا يرى به بأسا، أما الثاني فهو مطعون فيه) اهـ.