-وذكر ابن الجوزي عن إمامه ابن حنبل ثلاث روايات: قال: (وقد ذكر أصحابنا عن الخلال وصاحبه عبد العزيز إباحة الغناء، وإنما أشاروا إلى ما كان في زمانهما من شعر الزهد) .
قال: (وعلى هذا يحمل ما لم يكرهه الإمام أحمد .. ويدل عليه أنه سئل عن رجل مات وخلف ولدا وجارية مغنية فاحتاج الصبي إلى بيعها فقال: تباع على أنها ساذجة لا على أنها مغنية، فقيل له: إنها تساوي ثلاثين ألفا ولعلها عن بيعت ساذجة تساوي عشرين ألفا؟! فقال: لا تباع إلا على أنها ساذجة) .
قال ابن الجوزي: (وإنما قال أحمد هذا لأن هذه الجارية المغنية لا تغني بقصائد الزهد بل بالأشعار المطربة المثيرة إلى العشق) .
وإني ههنا لأسترعي انتباه القارئ على ما ذكر بعد من كلام ابن العربي من سماع القينات، فلاستكمل كلام أبي الفرج في قول القرطبي، وهذا دليل على أن الغناء محظور إذ لو لم يكن محظورا ما جاز تفويت المال على اليتيم.
-قال الطبري: (فقد أجمع علماء الأمصار على كراهة الغناء والمنع منه، وإنما فارق الجماعة إبراهيم بن سعد والعنبري، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"عليكم بالسواد الأعظم ومن فارق الجماعة مات ميتة جاهلية") .
وأورد أبو الفرج قول القفال؛ برد شهادة المعني والرقاص.
وقد استخلص القرطبي من هذه الأقوال حكما، فقال: (وقد ثبت أن هذا الأمر - غناء الرجال - لا يجوز، فأخذ الأجرة عليه لا يجوز وقد ادعى أبو عمر بن عبد البر الإجماع على تحريم الأجرة على ذلك) ، ولفت الأنظار إلى تفسيره رحمه الله الآية {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ} ... ، وقال: (وحسبك) .
ومن عجب أن أهل هذه الصناعة من الرعاية على المستويات العليا ما لا يجد كثيرون من البناة والدعاة، والضرائب في بعض الأقطار تخفض عنهم بينما تتضاعف على إنتاج العلماء والمفكرين، والصحف اليومية تذكر هذه الأيام أن متوسط دخل فلان من المغنيين في بعض أقطارنا الكبرى هو عشرون ألف جنيه شهريا!! {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} .
وكنت على موعد مع القارئ أن أذكر له قول ابن العربي في غناء القينات، فخذه من قول القرطبي:(الرابعة: قال القاضي أبو بكر بن العربي:"وأما سماع القينات فيجوز للرجل أن يسمع غناء جاريته - جاريته هو أيها الناس - إذ ليس شيء منها عليه حراما لا من ظاهرها ولا من باطنها فكيف يمنع من التلذذ بصوتها؟ أما أنه لا يجوز انكشاف النساء للرجال ولا هتك الأستار ولا سماع الرفث فإذا أخرج ذلك إلى ما لا يحل ولا يجوز منع من أوله واجتث من أصله."
أما سماع الغناء من المرأة التي ليست بمحرم؛ فإن أصحاب الشافعي قالوا: لا يجوز .. سواء كانت حرة أو مملوكة وقال الشافعي: وصاحب الجارية إذا جمع عليها الناس لسماعها فهو سفيه ترد شهادته، ثم ذكر وصفا غليظا .. وإنما جعل صاحبها سفيها لأنه دعا الناس إلى الباطل ومن دعا الناس إلى الباطل كان سفيها")اهـ"
أيبقى مجال لتصديق ما أوردت الفتوى من القول المنسوب لابن العربي: (لم يصح في تحريم الغناء