ثم من الشهداء من لا يفضله النبيون إلا بفضل درجة النبوة، ومنهم من يدخل الجنة من أي أبواب الجنة شاء، هذه فضيلتان، الفضيلة الأولى: أنَّ منهم من لا يفضله النبيون إلا بدرجة النبوة، الفضيلة الثانية: أنَّ منهم من يدخل الجنة من أي أبوابها شاء.
عن عتبة بن عبدٍ السلمي -رضي الله عنه- أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:"القتلى ثلاثة؛ رجلٌ مؤمنٌ جاهد بنفسه وماله في سبيل الله حتى إذا لقي العدو وقاتلهم حتى يُقتل فذلك الشهيد المُمتَحن في جنة الله تحت عرشه لا يفضله النبيون إلا بفضل درجة النبوة"إذن ذاك الصنف الأول الذي لا يفضله النبيون إلا بدرجة النبوة، الصنف الثاني؛ قال عليه الصلاة والسلام:"ورجلٌ فَرَقَ على نفسه من الذنوب والخطايا جاهد بنفسه وماله في سبيل الله حتى إذا لقي العدو قاتل حتى يُقتل فتلك مُمصمِصةٌ محت ذنوبه وخطاياه، إنَّ السيف محَّاءٌ للخطايا، ويدخل من أي أبواب الجنة شاء فإنَّ لها ثمانية أبواب"إذن هذا الصنف الآخر: وهو رجل خاف على نفسه من الذنوب والمعاصي التي اقترفها فجاهد بنفسه وماله حتى قُتل، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:"فتلك مُمصمِصةٌ -أي: مكفِّرة- محت ذنوبه وخطاياه ... ويدخل من أي أبواب الجنة شاء"هذا الصنف الثاني، الثالث؛ قال عليه الصلاة والسلام:"ورجلٌ منافقٌ جاهد بنفسه وماله حتى إذا لقي العدو قاتل في سبيل الله عز وجل حتى يُقتل فذلك في النار إنَّ السيف لا يمحو النفاق"رواه أحمد بإسنادٍ حسن وهو في صحيح الترغيب والترهيب.
هذه الفضيلة الثانية والفضيلة الثالثة.
الفضيلة الرابعة من فضائل الشهداء في الجنة؛ أنَّ الشهادة سببٌ في نيل الفردوس الأعلى، جاء الحديث عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنَّ أم الرُّبيِّع بن البراء -وهي أم حارثة بن سراقة- أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا نبي الله ألا تحدثني عن حارثة -وكان قُتِل يوم بدر أصابه سهم غَرْب، حارثة -رضي الله عنه- شاب فتى صغير خرج مع الجيش يوم بدر وكان نظَّارًا -يعني يشاهد المعركة من بعيد، ما دخل في القتال وإنما شهدها من بعيد-، ثم نزل للشرب من البئر فأصابه سهم غرب -يعني سهم طائش لا يُدرى مَنْ راميه؛ قد يكون من المسلمين أو من الكفار والله أعلم-، القصد: أصابه سهم غربٍ فقُتِل، هذا كلام أم حارثة تخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قالت: يا نبي الله ألا تحدثني عن حارثة -وكان قُتِل يوم بدر أصابه سهم غرب-؛ فإن كان في الجنة صبرت وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء، فقال:"يا أم حارثة إنها جنانٌ في الجنة، وإنَّ ابنك أصاب الفردوس الأعلى"هذا الحديث أخرجه البخاري.
يقول ابن كثير -رحمه الله- في السيرة، تعليقًا على هذا الحديث وعلى هذه الواقعة وعلى حارثة حيث أنه لم يكن في القتال، قال ابن كثير -رحمه الله-:"هذا الذي لم يكن في بحبوحة القتال ولا في حومة الوغى بل كان من النظَّارة من بعيد، وإنما أصابه سهم غرب وهو يشرب من الحوض، ومع هذا أصاب بهذا الموقف"