أما ما حرم لكسبه: كأن يكون صاحب المال كسبه من وظيفة محرمة
كالوظائف الربوية مثلا أو الغناء والبغاء أو الإعانة على الظلم والحرام والمنكر ونحوه؛ فهذا المال يكون حرامًا على كاسبه فقط، فما أخذته منه بطريق مباح كالهدية والهبة والنفقة أو البيع والشراء ونحوه فلا يحرم عليك، كما لو أعطاك والدك أو أخوك أو غيره إن كان مرابيا أو يعمل في وظيفة محرمة هدية أو نفقة وما أشبه ذلك.
يدل على هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قبل هدية اليهود وأكل من الشاة التي أهدتها له اليهودية في خيبر، وأجاب دعوة اليهودي، ومات ودرعه مرهونة ليهودي لطعام اشتراه لأهله ..
ومن المعلوم أن اليهود أكّالون للسحت كما وصفهم الله في القرآن لا آكلون فقط .. وقال تعالى أيضا عنهم: (وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ) النساء/161
ويدل على هذا الأمر أيضا أعني أن المال غير المحرم لعينه يتغير حاله بطريقة كسبه حديث بريرة لما أهدت لعائشة رضي الله عنها لحم، فقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنه لحم تُصدّق به على بريرة. وأنت لا تأكل الصدقة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هو عليها صدقة و هو لنا هدية) أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
ويتأكد جواز ذلك في الضيق والأسر وإذا لم يوجد لهم طريق آخر يتكسّبون منه فمعلوم في القواعد الفقهية أنه (إذا ضاق الأمر اتسع) ولا تنسوا أن طعامكم وشرابكم كله أو أغلبه في الأسر يأتيكم من إدارة السجن وضباطه وشرطته؛ فما الفرق أن يأتيك من ضابط أو شرطي قريب أو بعيد؟ وعليه فلا ينبغي لامرئ عاقل أن يضيّق على نفسه ويشدد في مثل هذه الظروف .. وهذا لا يمنع ولا يتناقض مع السعي في نصح القريب أو البعيد وبيان حكم وظيفته بالحكمة والموعظة الحسنة .. ويستأنس لهذا الأمر أيضا كون النبي صلى الله عليه وسلم كان يأويه عمه أبو طالب ويحوطه؛ ومعلوم أن المشرك لا يتحرّز من المحرم كالربا ونحوه؛ وكان صلى الله عليه وسلم يدعو عمه إلى الإسلام والتوحيد إلى آخر لحظة من حياته ..
ولو كان في الأمر سعة وكان ذلك في غير الأسر والضيق وأحببت أن تهجر طعام من ذكر حالهم في السؤال وأن لا تقبل دعوتهم زجرًا لهم عن كسبهم ووظائفهم المحرَّمة، دون أن