الصفحة 19 من 24

و روى كعب بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إنما نسمة [1] المؤمن طير يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه» [2]

قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى: (ففي هذا الحديث لم يخص مؤمنًا شهيدًا من غير شهيد) [3]

وأقول قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن روح المؤمن طير يعلق في شجر الجنة إلا أن الشهداء يفضلون عليهم بأمرين:

أ أرواحهم في حواصل طير.

قال ابن أبي الغز: (خص الشهيد بأن قال: هي في جوف طير خضر، ومعلوم أنها إذا كانت في جوف طير صدق عليها أنها طير، فتدخل في عموم الحديث الآخر بهذا الاعتبار، فنصيبهم من النعيم في البرزخ أكمل من نصيب غيرهم من الأموات على فرشهم، وإن كان الميت أعلى درجة من كثير منهم، فلهم نعيم يختص به لا يشاركه فيه من هو دونه، والله أعلم) [4]

ب أنها تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش.

21 -من الشهداء من لا تأكله الأرض جسده:

وهذه الكرامة ليست خاصة بالشهداء كما أنها ليست لكل شهيد.

ومن إكرام الله لأجسادهم التي بذلوها لأجله: إبقاؤها كما هي؛ فلا تأكل الأرض أجسادهم، وفي حديث جابر بن عبد الله بن حرام -رضي الله عنهما- عندما دفن أبوه مع آخر، وكانا قد قتلا في معركة أحد، قال جابر: « ... ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع الآخر، فاستخرجته بعد ستة أشهر، فإذا هو كيوم وضعته هنية [5] غير أذنه" [6] "

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه في حديث آخر قال: «لما أراد معاوية أن يجري الكظامة [7] قال: قيل: من كان له قتيل فليأت قتيله -يعني قتلى أحد-قال: فأخرجناهم رطابًا يتثنون، قال: فأصابت المسحاة إصبع رجل منهم فانفطرت دمًا» . قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: ولا ينكر بعد هذا منكر أبدًا. [8]

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أيضًا أنه قال:"فرأيت أبي في حفرته كأنه نائم، وما تغير من حاله قليل ولا كثير، فقيل له: فرأيت أكفانه؟ فقال: إنما كفن في نمرة [9] خمر بها وجهه، وجعل على رجليه الحرمل [10] ، فوجدنا النمرة كما هي، والحرمل على رجليه على هيئته، وبين ذلك ست وأربعون سنة" [11]

(1) - نسمة: أي روح. انظر. النهاية: 5/ 94.

(2) - أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الجنائز، باب جامع الجنائز: 1/ 240. والنسائي، كتاب الجنائز، باب أرواح المؤمنين، رقم 2073. وابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر القبر والبلى، رقم 4271. وقال ابن كثير:"هذا إسناد صحيح عزيز عظيم، اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة، فإن الإمام أحمد رحمه الله رواه عن محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله عن مالك بن أنس الأصبحي -رحمه الله- عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه"تفسير ابن كثير: 1/ 404.

(3) - التمهيد لابن عبد البر: 11/ 59.

(4) - شرح العقيدة الطحاوية 1/ 404

(5) ـ هنية: أي قليلًا، وهو تصغير هنة، النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير: 5/ 279.

(6) - أخرجه البخاري كتاب الجنائز باب هل يخرج الميت من القبر واللحد لعله رقم 1351

(7) ـ الكظامة: كالقناة، وهي آبار تحفر في الأرض متناسقة، ويخرق بعضها إلى بعض تحت الأرض، فتجتمع مياهها جارية، ثم تخرج عند منتهاها فتسيح على وجه الأرض. النهاية: 4/ 177 - 178.

(8) - أخرجه ابن المبارك في"الجهاد"، ص 112. وعبد الرزاق في المصنف: 5/ 277، رقم 9602. وابن سعد في الطبقات: 3/ 11. وابن عبد البر في"التمهيد": 19/ 242 و 13/ 142.

(9) ـ قال ابن الأثير: كل شملة مخططة من مآزر الأعراب فهي نمرة. النهاية: 5/ 118.

(10) ـ نوع من النبات. انظر: القاموس المحيط، ص 1271، ومختار الصحاح، ص 56.

(11) - أخرجه ابن سعد في الطبقات: 3/ 562، 563، من حديث الأوزاعي عن الزهري عن جابر، وصححه ابن حجر في الفتح: 3/ 257، وقال الأرناؤوط في تحقيقه لزاد المعاد: 3/ 216: رجاله ثقات، وسنده صحيح. وأخرج مالك في الموطأ (2/ 470) بنحوه من حديث عبد الرحمن بن أبي صعصعة أنه بلغه أن عمرو بن الجموح، وعبد الله بن عمرو ... قال ابن عبد البر:"هكذا هذا الحديث في الموطأ مقطوعًا لم يختلف على مالك فيه، وهو متصل من وجوه صحاح بمعنى واحد متقارب"التمهيد: 19/ 239.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت