الصفحة 18 من 24

أي: في جهاد أعداء الدين، قاصدين بذلك إعلاء كلمة الله {أمواتا} أي: لا يخطر ببالك وحسبانك أنهم ماتوا وفقدوا، وذهبت عنهم لذة الحياة الدنيا والتمتع بزهرتها، الذي يحذر من فواته، من جبن عن القتال، وزهد في الشهادة. {بل} قد حصل لهم أعظم مما يتنافس فيه المتنافسون. فهم {أحياء عند ربهم} في دار كرامته.

ولفظ: {عند ربهم} يقتضي علو درجتهم، وقربهم من ربهم، {يرزقون} من أنواع النعيم الذي لا يعلم وصفه، إلا من أنعم به عليهم، ومع هذا {فرحين بما آتاهم الله من فضله} أي: مغتبطين بذلك، قد قرت به عيونهم، وفرحت به نفوسهم، وذلك لحسنه وكثرته، وعظمته، وكمال اللذة في الوصول إليه، وعدم المنغص، فجمع الله لهم بين نعيم البدن بالرزق، ونعيم القلب والروح بالفرح بما آتاهم من فضله: فتم لهم النعيم والسرور، وجعلوا {يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم} أي: يبشر بعضهم بعضا، بوصول إخوانهم الذين لم يلحقوا بهم، وأنهم سينالون ما نالوا، {ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون} أي: يستبشرون بزوال المحذور عنهم وعن إخوانهم المستلزم كمال السرور {يستبشرون بنعمة من الله وفضل} أي: يهنئ بعضهم بعضا، بأعظم مهنأ به، وهو: نعمة ربهم، وفضله، وإحسانه، {وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين} بل ينميه ويشكره، ويزيده من فضله، ما لا يصل إليه سعيهم.

وفي هذه الآيات إثبات نعيم البرزخ، وأن الشهداء في أعلى مكان عند ربهم، وفيه تلاقي أرواح أهل الخير، وزيارة بعضهم بعضا، وتبشير بعضهم بعضا. [1]

20 -أرواحهم في جوف طير وأرواحهم في ظل العرش:

وعن ابن عباس أيضا رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لما أصيب إخوانكم جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر ترد أنهار الجنة تأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا: من يبلغ إخواننا عنا أنا أحياء في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب فقال الله تعالى: أنا أبلغهم عنكم قال: فأنزل الله عز وجل ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا إلى آخر الآية" [2]

وعن مسروق قال: «سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك، فقال: أرواحهم في جوف طير خضر. لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل ... الحديث» [3]

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «لما أصيب إخوانكم بأحد؛ جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر، ترد أنهار الجنة، تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش» [4]

قال ابن أبي الغز: (لما بذلوا أبدانهم لله عز وجل حتى أتلفها أعداؤه فيه، أعاضهم منها في البرزخ أبدانا خيرا منها، تكون فيها إلى يوم القيامة، ويكون تنعمها بواسطة تلك الأبدان، أكمل من تنعم الأرواح المجردة عنها) [5]

(1) - تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان صـ 156 - 157

(2) - رواه أبو داود والحاكم وقال صحيح الإسناد صحيح الترغيب والترهيب رقم 1379

(3) - أخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب بيان أرواح الشهداء في الجنة، رقم 1887.

(4) - أخرجه أبو داود، كتاب الجهاد، باب في فضل الشهادة، رقم 2520. وأخرجه الحاكم في المستدرك: 2/ 297 - 298، وصححه على شرط مسلم، وسكت عنه الذهبي. وصححه الألباني في المشكاة، رقم 3853، وفي صحيح الجامع، رقم 5081.

(5) - شرح العقيدة الطحاوية 1/ 403

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت