أما قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (في كل سائمة، في كل أربعين بنت ليون) فهو خاص، وحكمه لا يخالف حكم العام، لأنهما يدلان على وجوب الزكاة في الإبل، إلا أن للفظ الخاص مفهومًا يدل على عدم وجوب الزكاة في غير السائمة، فهو يخالف عموم الحديث الأول وقد جمع بينهما أهل العلم فاعتبروا هذا المفهوم مخصصًا لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - (ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة) فأسقطوا الزكاة عن غير السائمة، وأجبوها ي السائمة عملًا بالمفهوم والمنطوق. ما أن قوله - صلى الله عليه وسلم - (فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر) لفظ عام يشمل كل ما تنبته الأرض، أما قوله - صلى الله عليه وسلم - (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) فهو لفظ خاص في إيجاب الزكاة فيما يكال ويدخر مما تنبته الأرض، فهو بعض أفراد العام، وهو يدل على نفس الحكم الذي دل عليه اللفظ العام في إيجاب الزكاة. إلا أن اللفظ الخاص مفهومًا مخالفًا لدلالة اللفظ العام. وقد جمع بينهما الجمهور فاعتبروا هذا المفهوم مخصصًا للعموم، فأوجبوا الزكاة فيما يكال ويدخر، واسقطوها عن الخضار والفواكه لأنها لا تكال ولا تدخر، عملًا بمنطوق الخاص ومفهومه. والمثال الذي يصلح أن يضرب لهذا أن يقال: أكرم الرجال، ثم يقال: أكرم العلماء، فإن الأمر الثاني مفهومًا يخالف عموم الأمر الأول. إذ أن الأمر بإكرام العلماء، يدل بمفهومه على أنه لا يريد إكرام غير العلماء فخص بهذا المفهوم عموم الأمر الأول.
وقد جاء في مسودة آل تيمية ما هو موافق لما قلت وصنه: إنه إذا كان نصان أحدهما عام والآخر خاص لا يخالفه فلا تعارض بينهما إذا لم يكن للخاص مفهوم يخالفه..الخ.
كما جاء قوله: كان للخاص مفهوم يخالفه مثل خبر القلتين، وسائمة الغنم بالنسبة إلى قوله (الماء لا ينجسه شيء) وقوله (في أربعين شاة شاة) ونحو ذلك، فهذا هو مسألة تخصيص العموم بالمفهوم..الخ [1] .
(1) المسوده ص128،129.