فهرس الكتاب
المعجزة على الصدق ثم إنهما حاصلان في حق محمد صلى الله عليه وسلم، وجب الاعتراف قطعًا بنبوة محمد عليه السلام ضرورة. إذ عند الاستواء في الدليل لا بد من الاستواء في حصول المدلول.. فقال النصراني لا أقول في عيسى عليه السلام إنه كان نبيًا، بل أقول إنه كان إلهًا. فقلت له الكلام في النبوة لا بد وأن يكون مسبوقًا بمعرفة الإله، وهذا الكلام الذي تقوله باطل ويدل عليه أن الإله عبارة عن موجود واجب الوجود لذاته، يجب ألا يكون جسمًا ولا متحيزًا ولا عرضًا, وعيسى عبارة عن هذا الشخص البشري الجسماني الذي وجد بعد أن كان معدومًا، وقتل بعد أن كان حيًا على قولكم، وكان طفلًا أولًا ثم صار مترعرعًا، ثم صار شابًا. وكان يأكل ويشرب وَيُحْدِث وينام ويستيقظ. وقد تقرر في بداهة العقول أن المحدث لا يكون قديمًا. والمحتاج لا يكون غنيًا والممكن لا يكون واجبًا والمتغير لا يكون دائمًا.
(والوجه الثاني) في إبطال هذه المقالة أنكم تعترفون بأن اليهود أخذوه وصلبوه وتركوه حيًا على الخشبة، وقد مزقوا ضلعه وأنه كان يحتال في الهرب منهم وفي الاختفاء عنهم، وحين عاملوه بتلك المعاملات أظهر الجزع الشديد. فإن كان إلهًا أو كان الإله حالًا فيه أو كان جزء من الإله حالًا فيه فَلِمَ لَمْ يدفعهم عن نفسه ولِمَ لَمْ يهلكهم بالكلية، وأية حاجة به إلى إظهار الجزع منهم والاحتيال في الفرار منهم. وبالله إنني لأتعجب جدًا أن العاقل كيف يليق به أن يقول هذا القول، ويعتقد صحته. فتكاد أن تكون بداهة العقل شاهدة بفساده.