98ـ بَاب مَنْ قَدَّمَ ضَعَفَةَ أَهْلهِ بِليْلٍ فَيَقِفُونَ بِالمُزْدَلفَةِ
وَيَدْعُونَ وَيُقَدِّمُ إِذَا غَابَ القَمَرُ
1564 حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا الليْثُ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَال سَالمٌ وَكَانَ عَبْدُاللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهمَا يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهْلهِ فَيَقِفُونَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ بِالمُزْدَلفَةِ بِليْلٍ فَيَذْكُرُونَ اللهَ مَا بَدَا لهُمْ ثُمَّ يَرْجِعُونَ قَبْل أَنْ يَقِفَ الإِمَامُ وَقَبْل أَنْ يَدْفَعَ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ مِنًى لصَلاةِ الفَجْرِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ بَعْدَ ذَلكَ فَإِذَا قَدِمُوا رَمَوُا الجَمْرَةَ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهمَا يَقُولُ أَرْخَصَ فِي أُولئِكَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ (1)
(1) لاشك أن الأفضل البقاء في مزدلفة حتى يصلي الفجر، ويدعو ويذكر الله عند المشعر الحرام، وله أن يدعو الله في أي مكان من مزدلفة، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( وقفت ها هنا وجمع كلها موقف ) )ولكن إذا كان هناك ضعفة إما لكبر أو لمرض أو لكونهم إناثًا فلهم أن يتقدموا أن يدفعوا من مزدلفة إلى منى؛ لأجل أن يرموا قبل زحام الناس، ولكن متى ينصرفون؟ قال كثير من العلماء: ينصرفون إذا انتصف الليل؛ لأنه إذا انتصف الليل صار مكثهم في مزدلفة أكثر الليل، وقال بعضهم: بل ينصرفون إذا غاب القمر، وهذا يكون إذا مضى ثلثي الليل، وكانت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما تفعل هذا، ولهذا قال البخاري رحمه الله: (إذا غاب القمر) .
وفي هذا الحديث دليل واضح على أن من جاز له أن يتقدم من مزدلفة إلى منى، فإنه يرمي متى وصل، حتى ولو وصل قبل الفجر بساعة، ولهذا قال في هذا الحديث (فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ مِنًى لصَلاةِ الفَجْرِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ بَعْدَ ذَلكَ) لصلاة الفجر: يعني وقت صلاة الفجر فَإِذَا وصولوا رَمَوُا ، وأما قول بعض العلماء: إنهم إذا وصولوا لا يرمون حتى تطلع الشمس، فضعيف، وحديث (لا ترموا حتى تطلع الشمس) ضعيف، والصواب أن من وصل إلى منى ممن يُرخص له أن يتقدم فإنه يرمي متى وصل، وإلا ما الفائدة من تقدمه؟ قليلة الفائدة، وأيضًا رمي جمرة العقبة تحية منى، ولهذا رماها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على بعيره قبل أن يذهب إلى رحله.
وفي قوله ابن عمر رضي الله عنهما: (أرخص في أولئك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم) دليل على هذا مرفوع، أن يُقدم الضعفة من الأهل بالليل، في الوقت الحاضر الواقع إن تكاد تكون كل الناس ضعفة؛ لأنهم يحصل من المشقة الشديدة ما لا يحصل في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من وجوه:
الأول: كثرة الحجاج.
والثاني: غُشم الحجاج وعنفهم .
والثالث: اختلاف اللغات؛ لأنك لو زاحمك أحد ليس على لغتك، ثم صرخت، تقول: انقذني انقذني ، يظن أنك تسبه، ما يعرف لغتك، فيظن أنك تسبه يرصك زيادة، وأنت تستنقذ به . وفي عهد الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كلهم عرب يفهمون، وأيضًا كانوا يعتقدون أنهم يرمون الشياطين، ويقول أحدهم: رميت الشيطان الكبير، والثاني يقول: رميت الصغير، والثالث يقول: رميت الأوسط، ويُحكى أن بدويًا أخذ واحد وعشرين حصاة يوم الحادي عشر، ورماها جميعًا يدًا واحدًا على جمرة العقبة، وقال له: خذ تقاسم أنت وعيالك. إلى هذا الحد يعني جهل عظيم، فإذا كان يعتقد إنه يرمي الشيطان فسيكون معه عنف شديد، ونسمع أن بعضهم ـ والعياذ بالله ـ إذا أقبل على الجمرة يشتم ويلعن، ويقول: أنت الذي فرقت بيني وبين زوجتي، أنت الذي نكدت عليَّ حياتي وكما تشاهدون يضربون بالنعال، والحجر الكبير والشماسي، وشاهدت بعيني قبل أن تُبني الجسور هذه ، شاهدت رجلًا وامرأة ما أدري أهي زوجته أو غير زوجته، راكبين على حصان في جمرة العقبة، والناس يرمون ويضربون الرجل والمرأة، وهما معهما جزمتان يضربون العامود هم يضربون العمود ، والناس يضربوهم بالحصى، وكأنهم يقولون:
هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت
صابرين على الحصى أتعجب، فلهذه الأسباب نرى أن الناس الآن معذورون إذا انصرفوا قبل الفجر، أما من كان ضعيفًا فهذه هي السنة، وأما من لم يكن ضعيفًا فهو تابع لضعيف، أو هو نفسه يرى إنه إذا ذهب قبل الوقت ورمى بطمأنينة وتكبير وتعظيم للشعائر أحسن من كونه يدخل غمار الزحام، لا يدري أيخرج أو يموت.