الصفحة 252 من 302

4 ـ بَاب إِذَا أَهْدَى للمُحْرِمِ حِمَارًا وَحْشِيًّا حَيًّا لمْ يَقْبَل

1696 حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِاللهِ بْنِ عَبْدِاللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَبْدِاللهِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ الليْثِيِّ أَنَّهُ أَهْدَى لرَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ حِمَارًا وَحْشِيًّا وَهُوَ بِالأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ فَرَدَّهُ عَليْهِ فَلمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَال إِنَّا لمْ نَرُدَّهُ عَليْكَ إِلا أَنَّا حُرُمٌ (1)

(1) كأن البخاري رحمه الله بترجمته يدل على أن الصعب أهدى الحمار حيًا فلم يقبله النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقال: (( إنا لم نرده عليك إلا أنا حُرم ) )فعُلم منه أنه لو كان حلالًا لقبله .

وفي هذا الحديث تغير وجه الإنسان إذا رُدت هديته ، وهذا إذا كان صادقًا في إهدائه ، أما إذا كان مجاملًا أو خجلًا فإنه إذا رُدت إليه الهدية يتغير وجهه بفرح فلكل مقام مقال . إذا علمت أن هذا الرجل أهدى إليك حياءً وأنك لو رددت عليه وتعذرت عليه بأي عذر فرح بهذا وقبل فلا حرج أن ترده ، وإلا فلا .. اقبل وإذا علمت من صاحبك الذي أهدى إليك أنه فقير مثلًا فاردد عليه من النفقة والدراهم ما يقابل هديته لتجمع بين الحسنين بين قبول هبته وبين رد نفقته .

سؤال: ما الفرق بين الحي والميت مع أنه لو أُهدي للمحرم وقد صيد من أجله يحرم عليه ؟

الجواب: هذا الحديث فيه اختلاف ، فبعض الرواة يقول أهداه ميتًا حتى قال إنه جاء به يقطر دمًا ، وبعضهم قال إنه حي . بعد ما نستكمل الروايات نرجع نتكلم عليه إن شاء الله .

سؤال: أحسن الله إليكم ، مارأيكم في الذي يقدم هدية لأحد ويطلب منه زيادة ، هل هذا يجوز ؟

الجواب: ما يجوز هذا ، قال تعالى: { ولا تمنن تستكثر } ولا غيره أيضًا هذا من سوء الأدب ، لكن لو فعل أحد هذا فمن أحسن ما يكون أن يقول له المهدى إليه: تفضل خذ هديتك فكنا من شرك .

السائل: ؟

الجواب: لا .. لا .. هذه يسمونها هبة الثواب وهي بمعنى البيع ، فلا يجوز أن المُهدي يرضى أن يُرد إليه بشيء يريده وذاك لا يريده . وعلى كل حال هذا يقع .

سؤال: نعم يحصل هذا موجود عندنا ويفعلوه مع السلاطين إذا جاء السلطان قدموا إليه شيئًا وطلبوا

الجواب: وقالوا اعطنا ؟

السائل: الذي يخجل طلب والثاني طلب من أحد أن يخبره .

الجواب: عجيب .

ما تكلم الشارح على حديث الصعب ؟

تعليق من فتح الباري ج: 4 ص: 32:

قوله: ( حمارا وحشيا ) لم تختلف الرواة عن مالك في ذلك وتابعه عامة الرواة عن الزهري وخالفهم ابن عيينة عن الزهري فقال: ( لحم حمار وحش ) أخرجه مسلم . لكن بين الحميدي صاحب سفيان أنه كان يقول في هذا الحديث حمار وحش ثم صار يقول لحم حمار وحش فدل على اضطرابه فيه . وقد توبع على قوله لحم حمار وحش من أوجه فيها مقال منها ما أخرجه الطبراني من طريق عمرو بن دينار عن الزهري لكن إسناده ضعيف .

وقال إسحاق في مسنده أخبرنا الفضل بن موسى عن محمد بن عمرو بن علقمة عن الزهري فقال: ( لحم حمار ) وقد خالفه خالد الواسطي عن محمد بن عمرو فقال: ( حمار وحش ) كالأكثر أخرجه الطبراني من طريق بن إسحاق عن الزهري فقال: ( رجل حمار وحش ) وابن إسحاق حسن الحديث الا أنه لا يحتج به إذا خولف ويدل على وهم من قال فيه عن الزهري ذلك ابن جريج قال قلت للزهري الحمار عقير قال لا أدري أخرجه ابن خزيمة وابن عوانة في صحيحيهما .

وقد جاء عن ابن عباس من وجه آخر أن الذي أهداه الصعب: ( لحم حمار ) فأخرجه مسلم من طريق الحاكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ( أهدى الصعب إلى النبي صلى الله عليه وسلم رجل حمار ) وفي رواية عنده: ( عجز حمار وحش يقطر دمًا ) . وأخرجه أيضا من طريق حبيب بن أبي ثابت عن سعيد قال تارة حمار وحش وتارة شق حمار . ويقوى ذلك ما أخرجه مسلم أيضا من طريق طاوس عن ابن عباس قال: (قدم زيد بن أرقم فقال له عبد الله بن عباس يستذكره كيف أخبرتني عن لحم صيد أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حرام قال أهدى له عضو من لحم صيد فرده وقال أنا لا نأكله أنا حرم ) .

وأخرجه أبو داود وابن حبان من طريق عطاء عن ابن عباس أنه قال: ( يا زيد بن أرقم هل علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ...) فذكره ، واتفقت الروايات كلها على أنه رده عليه إلا ما رواه ابن وهب والبهيقى من طريقه بإسناد حسن من طريق عمرو بن أمية أن الصعب أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم عجز حمار وحش وهو بالجحفة فأكل منه وأكل القوم . قال البهيقى: إن كان هذا محفوظا فلعله رد الحي وقبل اللحم .

قلت وفي هذا الجمع نظر لما بينته فإن كانت الطرق كلها محفوظة فلعله رده حيا لكونه صيد لأجله ورد اللحم تارة لذلك وقبله تارة أخرى حيث علم أنه لم يصد لأجله .

وقد قال الشافعي في الأم: إن كان الصعب أهدى له حمارا حيا فليس للمحرم أن يذبح حمار وحش حي وإن كان أهدي له لحما فقد يحتمل أن يكون علم أنه صيد له .

الشيخ: هذا احتمال متعين لأن الصعب رضي الله عنه لما نزل به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وكان رجلًا عداءً وصيادًا ذهب إلى الجبال وأتى بهذا الحمار ، وهذا واضح أنه صاده لأجل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم .

متابعة التعليق: ونقل الترمذي عن الشافعي أنه رده لظنه أنه صيد من أجله فتركه على وجه التنزه ، ويحتمل أن يحمل القبول المذكور في حديث عمرو بن أمية على وقت آخر وهو حال رجوعه صلى الله عليه وسلم من مكة ، ويؤيده أنه جازم فيه بوقوع ذلك بالجحفة وفي غيرها من الروايات بالأبواء أو بودان . وقال القرطبي يحتمل أن يكون الصعب أحضر الحمار مذبوحا ثم قطع منه عضوا بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فقدمه له فمن قال أهدى حمارا أراد بتمامه مذبوحا لا حيا ومن قال لحم حمار أراد ما قدمه للنبي صلى الله عليه وسلم . وقال ويحتمل أن يكون من قال حمارا أطلق وأراد بعضه مجازا . قال ويحتمل أنه اهداه له حيا فلما رده عليه ذكاه وأتاه بعضو منه ظانا أنه إنما رده عليه لمعنى يختص بجملته فأعلمه بامتناعه أن حكم الجزء من الصيد حكم الكل . قال والجمع مهما أمكن أولى من توهيم بعض الروايات .

وقال النووي ترجم البخاري بكون الحمار حيا وليس في سياق الحديث تصريح بذلك وكذا نقلوا هذا التأويل عن مالك وهو باطل لأن الروايات التي ذكرها مسلم صريحة في أنه مذبوح .ا.هـ.

وإذا تأملت ما تقدم لم يحسن إطلاقه بطلان التأويل المذكور ولاسيما في رواية الزهري التي هي عمدة هذا الباب . وقد قال الشافعي في الأم حديث مالك أن الصعب أهدى حمارا أثبت من حديث من روى أنه أهدى لحم حمار . وقال الترمذي روى بعض أصحاب الزهري في حديث الصعب لحم حمار وحش محفوظ .

الشيخ: سبحان الله الحديث متعدد الروايات وذلك لأن الرواة ينقلون الحديث بالمعنى غالبهم ، يندر من ينقله بلفظه فلذلك تختلف ، لحم حمار ، أو حمار . وعندي أن هذا ليس فيه اختلاف لأنه قد يُطلق الكل على الجزء كما يقال: أهدى إليه دجاجًا فأكل . لا يلزم أن تكون الدجاجة كاملة بل يُطلق على البعض .

ش17 ـ وجه ب:

لكن المشكل من قال حيًا ومن قال إنه يقطر دمًا، هذا تعارض واضح. فيقال: يُنظر للأكثر رواية ، والظاهر أنه أثبته وأنه أتى به مصيدًا هالكًا ، لأن يضرب بأن يأتي به حيًا خصوصًا الرماة الذين يجيدون الرمي ، ويُقال إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم علم ـ لا نقول ظن ـ علم أنه صاده لأجله لأنه إنما صاده ليجعله قرن له وضيافة .

بقي إشكال آخر: قوله: ( إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم ) ظاهر هذا أن العلة كونه محرمًا لا أنه صيد له ، فيقال هذا ذكر جزء العلة ولا ينافي أن تكون العلة مركبة ، فيكون المعنى: إنا لم نرده إلا أنا حرم وقد صدته من أجلنا . وبهذا يحسن الجمع بينه وبين حديث أبي قتادة رضي الله عنه . وأما من زعم أن حديث الصعب ناسخ لحديث أبي قتادة لأن حديث أبي قتادة كان في العمر عمرة الحديبية وحديث الصعب في حجة الوداع ، فيقال: دعوى النسخ غلط لأن النسخ لا يُصار إليه إلا إذا تعذر الجمع ، والجمع هنا غير متعذر ، فيقال: إن أبا قتادة لم يصده لقومه ولكن صاده لكن يستشعر أنهم سيكونوا معه وأما الصعب فإنه صاده بنية خالصة للرسول صلى الله عليه وسلم . وبينهما فرق واضح .

والخلاصة: أنه يجوز للمحرم أن يأكل الصيد إذا صاده الحلال بشرط أن لا يصيده من أجله ، فإن صاده من أجله حرم على من صيد له ولم يحرم على غيره لأنه ليس في قتله أثر محرم . الذي صاده حلال ولم يعنه أحد من المحرمين .

سؤال: أثابكم الله ، هل يجب على من أثهدي له الصيد أن يسأل هل هو صيد له أم لا ؟

الجواب: لا يحتاج اللهم إلا إذا شك بقرينة واضحة ، وإلا ما يلزم .

سؤال: أحسن الله إليك ، قال الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } ويقول في الآية: { يا أيها الذين آمنوا حرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } ماالمراد يقوله ولا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ؟

الجواب: المراد بقوله: { لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } لم يقل لا تصيدون لأن صيده قتل ، ولذلك يعتبر ميتة ، يعتبر الصيد الذي صاده المحرم ميتة ولهذا عبَّر الله عن صيده بكلمة القتل ، أما { حُرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } فهذا أعم من القتل ، حُرم علينا أن نقتله ، وحُرم علينا أن ننفره ، وحُرم علينا أن نكسره ، فهو أعم .

طيب إذا وُجد مُضطر للأكل وأمامه ميتة وأمامه صيد فأيهما يُقدم ؟ قال بعض أهل العلم: يُقدم الميتة لأنه ليس في أكلها اعتداء ، وقال بعضهم يُقدم الصيد لأنه طاهر حلال وإنما حُرم لحرمته . والصحيح أنه يحل له أكله ولا جزاء عليه لأنه لم اُضطر إليه صار حلالًا والحلال لا كفارة فيه . فالصواب الذي أقطع به أنه يُقدم الصيد لأنه صيد طيب حلال يعني مذكى أو مصيد وفي حالة الضرورة لا كفارة عليه . والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت