1701 حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا الليْثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ العَدَوِيِّ أَنَّهُ قَال لعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ وَهُوَ يَبْعَثُ البُعُوثَ إِلى مَكَّةَ ائْذَنْ لي أَيُّهَا الأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ للغَدِ مِنْ يَوْمِ الفَتْحِ فَسَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلبِي وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلمَ بِهِ إِنَّهُ حَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَليْهِ ثُمَّ قَال إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ وَلمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ فَلا يَحِل لامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا وَلا يَعْضُدَ بِهَا شَجَرَةً فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لقِتَال رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ فَقُولُوا لهُ إِنَّ اللهَ أَذِنَ لرَسُولهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ وَلمْ يَأْذَنْ لكُمْ وَإِنَّمَا أَذِنَ لي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ وَليُبَلغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ فَقِيل لأَبِي شُرَيْحٍ مَا قَال لكَ عَمْرٌو قَال أَنَا أَعْلمُ بِذَلكَ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ إِنَّ الحَرَمَ لا يُعِيذُ عَاصِيًا وَلا فَارًّا بِدَمٍ وَلا فَارًّا بِخُرْبَةٍ خُرْبَةٌ بَليَّةٌ (1)
(1) هذا الحديث حديث عظيم فيه: أولًا: إنكار المنكر ولو علنًا ، وفيه أيضًا التلطف مع الأمراء ولو كانوا فساقًا ؛ لأن أبا شريح رضي الله عنه قال: ( ائذن لي أيها الأمير ) ، وفيه بقاء ولاية الأمير ولو فسق لأنه أقره على كونه أميرًا ، وفيه أن أدب الصحابة رضي الله عنهم أرفع الأدب لأن هذا الكلام كلام لطف وكلام يجلب القلب ـ أعني قلب المخاطب ـ على المتكلم .
وفيه أيضًا القصة في أن عمرو بن سعيد يقال له الأشدق من بني أمية كان يبعث البعوث إلى مكة لقتال عبد الله بن الزبير رضي الله عنه وعن أبيه ، فقام هذا الرجل ليبلغ بأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ليبلغ الشاهد الغائب ) . وفيه أيضًا تأكيد الخبر ، وهذا الخبر مؤكد بأمور: أولًا بذكر المكان ، وثانيًا بذكر الزمان ، وثالثًا بأداة استماعهم ، ورابعًا بأداة توكيده بالنظر .
أما الأول: فقال: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قام به الغد يعني صبح يوم الفتح فتح مكة ، وقام به خطيبًا عليه الصلاة والسلام ليعين هذا الحكم العظيم ، وأما المكان فهو مكة ، وأما طريق التحمل فهو السمع ، سمعته أذناي ، يعني ما نُقل إليّ نقلًا أو سمعته ولم أتأكد بل تأكدت . رابعًا: أبصرته عيناي فلا أقول لعله غير الرسول ، لعل هذا صوتًا يُشبه صوت الرسول صلى الله عليه وسلم بل إني أبصرته هو صلى الله عليه وسلم وهو يخطب الناس . الخامس: ما ذكره لكن في سياق آخر قال: ( ووعاه قلبي ) يعني صار وعاءً له فلم يتخلف منه شيء .
القارئ: في الحديث مذكورة ( فَسَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلبِي وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ ) .
الشيخ: الحمد لله ، أجل ووعاه قلبي أنه تكلم فحمد الله وأثنى عليه ، وهكذا خطب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم غالبًا يبتدئها بحمد اله والثناء عليه ؛ لأنه جل وعلا أهل لأن يُحمد وأهل لأن يُثنى عليه سبحانه وتعالى . ثم قال: ( إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس ) يعني قضى بتحريمها واحترامها وتعظيمها الله عز وجل دون الناس ، ولا ينافي هذا ما جاء في الحدي الصحيح أن إبراهيم حرم مكة ؛ لأن المراد بتحريم مكة إظهار حكم الله تعالى وتحريمه إياها ، وأما الذي حرمها فهو الله تبارك وتعالى ولم يحرمها الناس ، وإنما قال هذا صلى الله عليه وسلم من أجل أن تنال هذه البلدة من الاحترام والتعظيم ما هو لائق بها لأن شيئًا حرمه الله أعظم من شيء حرمه الناس لاشك .
( فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا ) شوف التأكيد ( لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر ) وهذا الوصف ليس إخراجًا لمن يؤمن بالله واليوم الآخر ولكن للتأكيد ، أي إن كان مؤمنًا حق بالله واليوم الآخر فلا يفعل لا يسفك بها دمًا . وقوله: ( لامرئ ) عام في كل امرئ؛ لأن هناك ذكر في سياق النفي فيكون للعموم ( أن يسفك بها دمًا) أي دمًا معصومًا وأما غير المعصوم فإنه يُسفك دمه ولهذا يُجرى القصاص في مكة ويُجرى رجم الثيب الزاني في مكة ويُجرى قتل قاطع الطريق في مكة ، لكن المراد يسفك بها دمًا معصومًا .
( ولا يعضد بها شجرة ) قرن هذا بهذا ليبين احترام ما في مكة حتى الشجر فكيف بالآدمي ؟ فلا يحل قطع الشجرة التي في مكة لاحترامها لمكانها ، ثم قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم موردًا إشكالًا ومجيبًا عليه ، قال: ( إن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم ) يعني إن أحد قاتل في مكة أو قَتَل مترخصًا بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه فعل فالجواب: أن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم . ولله الحكم إيجابًا وتحريمًا وتحليلًا ، فإذا أذن لرسوله فهذا من خصائصه . ( وإنما أُذن لي ساعة من نهار ) أُذن للرسول عليه الصلاة والسلام القتال ساعة في مكة ساعة من النهار لا دائمًا . قال العلماء: الساعة من طلوع الشمس إلى العصر . يعني يوم الفتح فقط لأن هذا بقدر الضرورة والإنسان لا يستبيح من المحرم إلا قدر الضرورة . قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ( وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ) يعني عاد تحريمها وتعظيمها اليوم كما عاد بالأمس . ولهذا لما قال سعد بن عبادة رضي الله عنه: اليوم ـ يعني يوم فتح مكة ـ اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الكعبة . فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: (( كذب ، اليوم تُعظم الكعبة ) )لأنها تُخلص من الشرك إلى التوحيد ومن الكفر إلى الإيمان ، ثم عزله وأقام ابنه قيسًا بدله ؛ لأن سعد بن عبادة سيد الخزرج فله شرفه وواجهته لكن عزله تعزيرًا وأقام ابنه قيسًا فكأنه لم ينزع الإمارة منه لأنه جعلها لابنه قيس .
يقول: ( عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب ) أبو شريح شاهد وعمرو بن سعيد غائب فوجب على أبي شُريح أن يُبلغ لاسيما والرجل جاد في تجهيز الجيوش إلى مكة . ( فَقِيل لأَبِي شُرَيْحٍ مَا قَال لكَ عَمْرٌو قَال أَنَا أَعْلمُ بِذَلكَ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ ) كذب والله ، أنا أعلم بذلك منك ؟ وهو يُحدث عن الرسول عليه الصلاة والسلام ؟ لكن هكذا الأمراء الذين عندهم فسوق وخروج عن ما يجب عليهم تأخذهم العزة بالإثم فيقول أنا أعلم بذلك منك ، فنقول له كذبت ، هو يُحدث عن من ؟ عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حديثًا مؤكدًا بزمانه ومكانه وسمعه وبصره وقلبه ، كيف يكون أعلم منه ؟ لكن كما قلت لكم إن هذا من باب خطاب الأمراء الذين تأخذهم العزة بالإثم والعياذ بالله .
ثم قال: ( إِنَّ الحَرَمَ لا يُعِيذُ عَاصِيًا وَلا فَارًّا بِدَمٍ وَلا فَارًّا بِخُرْبَةٍ خُرْبَةٌ بَليَّةٌ ) الحرم ـ يقول ـ لا يعيذ عاصيًا ، يعني أن ابن الزبير عاصٍ خارج عن البيعة ( ولا فارًا بدم ) يعني لو قتل الإنسان أحدًا ولجأ إلى الحرم فإن الحرم لا يعيذه ( ولا فارًا بخربة ) يعني بلية يستعيذ بالحرم من عقوبتها . هكذا رد لكنه رد مردود مخيب قائله لأنه يصادم به من ؟ قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم . وفي الحديث فوائد إن شاء الله نذكرها في الدرس القادم .
هذا الحديث فيه حسن منهج الصحابة رضي الله عنهم وأنهم يكلمون الأمراء ولو كانوا فسقاء بما يليق بحالهم ، لقوله: ( ائذن لي أيها الأمير ) وفي هذا ثبوت الإمارة ولو كان الرجل فاسقًا ، وهو كذلك . وفي هذا أيضًا دليل على تفخيم البعض للأمراء لقوله: ( ائذن لي أيها الأمير ) أيها للنداء تدل على التفخيم والتعظيم . وربما يقال: إن أبا شريح رضي الله عنه أراد بهذا القول أن يلين قلب عمرو بن سعيد ، أن يلين قلبه لأنه إذا فخمه أمام الناس وهو يريد أن يعظه صار هذا ألين لقلبه ، لكن سيأتينا في آخر الحديث إن هذا الرجل لم يلن قلبه .
وفيه أيضًا تأكيد الخبر بذكر الزمان والمكان والحال لأن أبا شريح أكد هذا الخبر بذكر المكان حيث قال: ( الغد من فتح مكة ) ، والزمان أيضًا حيث جعل ذلك القول يوم فتح مكة ، والحال حين قال إنه أبصر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وسمعه ووعاه حين تكلم به .
( وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلمَ بِهِ إِنَّهُ حَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَليْهِ ) هذا فيه دليل على أن نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم يبتدئ خطبه بالحمد والثناء على الله ، سواء كانت خطبة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أو غيرها ، المهم أن تُبدأ الخطب بالحمد والثناء على الله لأن الله تعالى أحق أن يُحمد سبحانه وتعالى . ثم إن ذلك فيه استعانة على أن يتكلم بما يريد ، وفي هذا دليل على عظمة حرمة مكة وأن الذي حرمها هو الله عز وجل لم يحرمها الناس . وسياق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذه الجملة حتى يعظم تعظيم الناس لها .
ش18 ـ وجه أ:
وفي قوله: ( لم يحرمها الناس ) ما ظاهره أنه يعارض قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ( إن إبراهيم حرم مكة ) والجمع أن يقال: إن الذي حرمها هو الله عز وجل والذي أظهر التحريم هو إبراهيم . ولا بأس أن يضاف الشيء إلى من بلغه ، أليس الله تعالى قال في القرآن الكريم: { إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين } وهذا جبريل ، رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم يبلغ القرآن . وقال: { إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر } والمراد به الرسول صلى الله عليه وسلم ، فأضاف الله القول إلى جبريل ثم إلى محمد ؛ لأن جبريل بلغه محمدًا صلى الله عليه وسلم ومحمدًا بلغه أمته . فيكون تحريم إبراهيم إضافة التحريم إلى إبراهيم لأنه يبلغ عن الله عز وجل .
وفي هذا أيضًا دليل على تأكيد تحريم مكة وأن تعظيمها وتحريمها من الإيمان بالله واليوم الآخر ولهذا قال: ( فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا ) والمراد بذلك الدم المعصوم وإلا فلو ارتد مرتد في مكة قتلناه في مكة ، ولو زنى ثيب في مكة رجمناه بمكة ، ولو سرق سارق بمكة قطعناه بمكة . فإن قال قائل: أرأيتم لو أن أحدًا فعل ما يهدر دمه خارج مكة ثم لجأ إليها هل يُقتل أو لا ؟ دمه الآن غير معصوم لأنه فعل ما يوجب القتل هل يُقتل في مكة بعد أن لجأ إليها أم لا ؟ فالجواب: لا يُقتل لأنه لجأ إلى ملاذ . فإن قال قائل: إذا قلتم لا يُقتل لزم من هذا أن جميع الجناة في الدنيا يلجئون إلى مكة لجوءًا شرعيًا لا سياسيًا ، كل من حصل عليه ما يوجب قتله أتى إلى مكة . فالجواب: نعم هذا يلزم إلا إذا علمنا كيف نعامل هذا الذي لجأ إلى مكة ، هل نعامله على أنه قادم قدومًا عاديًا يتمتع بالسكنى في البيوت ويتمتع بالأكل والشرب أو نعامله معاملة تضييق ؟ الجواب: الثاني ، ولهذا قال العلماء: إذا لجأ إليها يُضيق عليه فلا يُآكل ولا يؤكل ولا يُشارب ولا يُشَرَّب ولا يؤى ، يُضيق عليه ، سيبقى في أسواق مكة وحيدًا غريبًا ، ولن يبقى لأنه ما دام الطعام لا يُقدم إليه والشراب لا يُقدم إليه إن بقي إن كان معه طعام حتى ينفد طعامه وإن لم يكن معه طعام فسيخرج في ثاني يوم أو ثالث يوم ، وحينئذٍ يُقتل . هذا هو المشروع عندنا في مذهب الحنابلة رحمهم الله .
وقوله: ( ولا يعضد بها شجرة ) هذا أيضًا مطلق ، والمراد ... بل هذا عام لأن شجرة ذُكرت في سياق النفي أو النهي ، عام والمراد شجرة الحرم ، أما الشجر الذي غرسه الآدمي فهو له . ولهذا نظائر يفرق فيه بين ما اكتسبه الآدمي وما كان من عند الله عز وجل، أرأيتم نقع الماء في البئر؟ لا يجوز بيعه ، يعني إنسان عنده بئر فيها ماء أراد أحد أن يدلي دلوه ويخرج الماء ، قال: لا .. إلا بفلوس . هذا حرام لا يجوز ، لكن لو أن صاحب البئر أخرج الماء ووضعه في إناء حينئذٍ يجوز بيعه ، كذلك الشجرة إذا غرست شجرة في مكة فهي ملكك افعل بها ما شئت ، وإذا خرجت شجرة من الأمطار بدون غرس آدمي فهي محترمة لا يجوز أن تُقطع . فإن قال قائل: ما تقولون في أرض خططت لتكون مساكن وفيها أشجار حرمية يعني ما هي من إنبات الآدمي ماذا نصنع هل نقطعها ؟ مشكل، هل نبقيها ؟ مشكل . ما هو الإشكال ، قلنا إن قطعناها مشكل وإن أبقيناها مشكل ما هو الإشكال ؟ إن قطعناها ونحن منهيين عن قطعها هذا إشكال . وإن أبقيناها لم ننتفع بالأرض هذا مشكل أيضًا . فأرى في مثل هذا إذا ألجأت الضرورة إلى قطعها تُقطع ؛ لأن الله أباح لنا الميتة أن نأكلها عند الضرورة . فهذه مثلًا إذا كان لابد أن تُخطط الأرض وتُسكن وتُعمر وفيها شجر واضطررنا إلى ذلك فلنقطعها .
كذلك أيضًا في الشارع لو أردنا أن نفتح شارعًا جديدًا والطريق كله شجر ، إن أبقينا الشجر في الطريق لم ننتفع بالطريق ، وإن قطعنا الشجر وقعنا في النهي ، فماذا نصنع ؟ فالجواب كما قلنا في الأرض المخططة إذا كان لابد أن نفتح الطريق من هنا قطعنا الأشجار كما يباح لنا أكل الميتة للضرورة . وإذا كان يمكن حرفه إلى جهة أخرى فلا نقطعها .
إذا نبتت في الطريق بعد أن كان طريقًا وضيقت على الناس وليس هناك طريق آخر هل تُقلع أو لا ؟ نعم تُقلع ؛ لأننا إذا أبحنا أن نقلعها ابتداءً فكيف بمن طرأت على الطريق ؟
( فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لقِتَال رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ فَقُولُوا لهُ إِنَّ اللهَ أَذِنَ لرَسُولهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ وَلمْ يَأْذَنْ لكُمْ وَإِنَّمَا أَذِنَ لي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ وَليُبَلغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ ) هذا الإيراد الذي أورده النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من حسن تبليغه وتعليمه ، هو عارف إنه صلى الله عليه وسلم قاتل فيها ، متى ؟ في غزوة الفتح ، وعلم صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الناس أسوة به فسوف يحتج المحتج ويقول: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة وهذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قاتل فيها . فأجاب بأن هذا من خصائصه لأن الله أذن له ولم يأذن لغيره ، يعني ما أُحلت لأحد من الأنبياء إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم ساعة الفتح ، وهذه الجملة تفيد أن الأصل الاتباع للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما لم يرد ما يدل على التخصيص ، ففي القرآن الكريم قال الله عز وجل: { وامرأة مؤمنة } يعني أحللنا لك امرأة مؤمنة {إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين } فبيَّن الخصوصية ، وهنا بيَّن الخصوصية أيضًا . فهذان المثلان يدلان على أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم له خصائص اختص بها. وقد ذكر العلماء رحمهم الله الخصائص التي للنبي صلى الله عليه وسلم وجمعوها في كتاب النكاح من كتب الفقه ؛ لأن أكثر ما اختص به الرسول صلى الله عليه وسلم ما يتعلق بالنكاح ، فلذلك ذكروها هناك .
وفي هذا دليل على جواز النسخ مرتين ، النسخ الأول إحلالها بعد أن كانت حرامًا ، والثاني تحريمها بعد أن كانت حلالًا ، هذا ما لم تكن الإذن من الله عز وجل موقتة ، فإن كانت موقتة فلا نسخ إلا مرة واحدة ، وضاح أو غير واضح ؟ لأن إذا كان الله عز وجل أذن لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يقاتل بمكة لفتحها ، ثم لما قاتل في آخر النهار منعه ، فيكون النسخ كم ؟ مرتين ، أول النهار نسخ للتحريم إلى الحل وآخر النهار نسخ من الحل إلى التحريم . أما إذا كان الله عز وجل قد قيدها وأذن له أن يقاتل ذلك النهار فقط فالنسخ مرة واحدة . لكنه نسخ مؤقت .
وأيًا كان يعني لو حُرم الشيء ثم أحل ثم حُرم فلن نحجر على الله لله يفعل ما يشاء له الحكم أولًا وآخرًا . وأيًا كان يعني لو حرم الشيء ثم أُحل ثم حُرم فلن نحجر على الله لله أن يفعل ما يشاء له الحكم أولًا وآخرًا . فإن قال قائل: كيف أُحلت للرسول عليه الصلاة والسلام ولم تحل لأحد قبله من الأنبياء ؟ فالجواب: أُحلت للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تعظيمًا لها لا استهانة بحرمتها . تعظيمًا لها ؟ نعم لأنه خلصها من الشرك ، صارت بلد توحيد بعد أن كانت بلد شرك وبلد إيمان بعد أن كانت بلد كفر ، وهذا لا شك إنه تعظيم ، ولهذا لما قال سعد بن عبادة رضي الله عنه في ذلك اليوم: ( اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الكعبة ) قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (( كذب سعد ، اليوم اليوم الذي تُعظم فيه الكعبة ) )اللهم صلي وسلم عليه . ثم أخذ الإمرة منه والقيادة إلى ابنه قيس بن سعد .
ما هي الساعة التي أُحل له فيها القتال ؟ قلنا إنها من طلوع الشمس إلى العصر . بقدر الحاجة .
في هذا الحديث: ( فليبلغ الشاهد الغائب ) وجوب التبليغ على من بلغه من سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى من لم تبلغه سواء شاهد الرسول صلى الله عليه وسلم أو قرأ سنته ، فالواجب تبليغها للناس حتى يصبح الناس كلهم عارفين بسنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وفي أمره بتبليغ الشاهد الغائب دليل على اهتمام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بهذا وأنه ينبغي أن يرثه الآخر عن الأول .
وفي هذا الحديث أيضًا: ( فَقِيل لأَبِي شُرَيْحٍ ) لم يُذكر القائل لكن جرت العادة أن مثل هذه الأمور العظيمة الكبيرة يُستفهم عنها ، وإلا لكان يقول القائل: هذا لا يعني فلماذا يسألون؟ نقول: هذه مسألة كبيرة عظيمة لابد أن يُعرف ما جواب عمرو بن سعيد . جواب عمرو بن سعيد جواب المتعلم المعجب بنفسه الجاهل بالشريعة ، قال: ( أَنَا أَعْلمُ بِذَلكَ مِنْكَ ) وهذا غير صحيح لأن أبا شُريح ينسبه إلى من ؟ على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهذا علم ، أما كلام عمرو بن سعيد إنما قاله من رأيه ، فيكون قول عمرو بن سعيد مبنيًا على جهل وقول أبي شريح على علم . ثم قال: (إِنَّ الحَرَمَ لا يُعِيذُ عَاصِيًا ) وعل كلام عمرو لو أن إنسانًا عاصيًا وجب عليه حد أو تعزير ولجأ إلى الحرم فإنه يُقام عليه الحد أو التعزير ، وليس كما قلنا فيما سبق إنه يضيق عليه حتى يخرج . لكن هذا غلط من عمرو بن سعيد . كذلك أيضًا قال: ( وَلا فَارًّا بِدَمٍ ) يعني لو قتل رجل آخر وثبت عليه القصاص وهرب إلى مكة فالحرم لا يعيذه ، وعلى كلام عمرو يُقتل في الحرم لأنه لا يُعيذه . ( وَلا فَارًّا بِخُرْبَةٍ خُرْبَةٌ بَليَّةٌ ) أي بلية توجب أن يُقتل فإن الحرم لا يُعيذه ، وقصده بذلك أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما لا يُعيذه الحرم حين خرج عن ولاية بني أمية لأن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه كوَّن خلافة في مكة ، في الحجاز مكة والمدينة ، وبنو أمية في الشام فاعتبروه خارجًا عن بيعتهم ولائذًا بالحرم ولذلك قاتلوه . ولكن حسابهم على الله عز وجل ، هم قتلوه واستحلوا الكعبة حتى إن الحجاج بن يوسف الثقفي كان يضرب الكعبة بالمنجنيق ـ والعياذ بالله ـ .
ويقال ـ والعهدة على التعريف ـ إنهم محاصرين لمكة وأرسل الله عليهم الرعد الخاسف والصواعق ، فقيل لهم للحجاج: ألا تخاف ؟ قال: لا هذه قعقعة الحجاز . فالله أعلم هل هذه مدسوسة عليه أو صحيحة . وعلى كل حال الرجل معروف في أن لديه غشمًا وظلمًا وله حسنات لكنه سيئاته تغلب على حسناته .
سؤال: عفا الله عنك ( لعن الله من آوى محدثًا ) ما حكم من آوى محدثًا ؟
الجواب: من كبائر الذنوب أن تُغني المحدث ، الواجب أن تطرده وأن لا تنزله بضيافتك .
السائل: ما الفرق بين إقامته عليه وبين من استوجبه ، أي الحد ؟ ثم إن ضيِّق عليه يخرج فيقام عليه ؟
الجواب: الفرق بينهما أن من فعل ما يوجب الحد في الحرم انتهك حرمة الحرم فلا يكون له حرمة جزاءً وفاقاًُ ، وأما إذا كان خارج الحرم ثم لجأ فهذا يعتقد تعظيم الحرم وأنه ملجأ ومعاذ .
سؤال: أحسن الله إليكم ، هذا الحديث: ( فليبلغ الشاهد الغائب ) مثل هذا الحديث ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: ( بلغوا عني ولو آية ) البعض يستدل بمثل هذه الأحاديث أن الإنسان العامي الذي ما عنده إلا حديث واحد يقف داعيًا في الناس ، هذا المنهج يا شيخ سليم ؟
الجواب: لا .. ما هو سليم ، يُبلغ ما سمع فقط بشرط أن يكون عنده علم ، لعله نُسخ . أنا أرى أن لا يدعوا أحد إلا بشيء يتيقنه ، هذه واحدة ، ثانيًا إذا وجهت إليه أسئلة بعد الموعظة فلا يجيب إلا عن ما يتيقنه لا يقل أنا صرت الآن شيخ وسلوني على ما بدا لكم . يقول بلسان حاله: ما تقول في هذا إيه الشيخ ؟ حرام ، ما تقول .. ؟ حلال ، ما تقول .. ؟ واجب، ما تقول .. ؟ فيه تفصيل . فهذا يوجد بعض الوعاظ على هذا الوجه . يوجد هذا وما يجوز ، إذا سُئلت عن شيء تعرفه مثل الشمس أجب وإلا قل والله يا أخي لا علم عندي في هذا وأسأل . تُبرئ ذمتك ويُعرف أنك رجل متثبت ويثقوا بك أكثر . أفهمت ؟