الصفحة 257 من 302

7 ـ بَاب لا يُنَفَّرُ صَيْدُ الحَرَمِ

1702 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْدُالوَهَّابِ حَدَّثَنَا خَالدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ قَال إِنَّ اللهَ حَرَّمَ مَكَّةَ فَلمْ تَحِل لأَحَدٍ قَبْلي وَلا تَحِل لأَحَدٍ بَعْدِي وَإِنَّمَا أُحِلتْ لي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ لا يُخْتَلى خَلاهَا وَلا يُعْضَدُ شَجَرُهَا وَلا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلا تُلتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلا لمُعَرِّفٍ وَقَال العَبَّاسُ يَا رَسُول اللهِ إِلا الإِذْخِرَ لصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا فَقَال إِلا الإِذْخِرَ وَعَنْ خَالدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَال هَل تَدْرِي مَا لا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا هُوَ أَنْ يُنَحِّيَهُ مِنَ الظِّل يَنْزِلُ مَكَانَهُ (1)

(1) هذا الباب فيه فوائد منها: أن الله تبارك وتعالى هو الذي حرم مكة ، ونسبة تحريمها إلى إبراهيم نسبة إظهار لا ابتداء ، ومنها أن مكة لم تحل لأحد قبل الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا تحل لأحد بعده ، وهذا واضح ؛ لأنه لا يحل لأحد أن يستحل مكة بالقتال فهي لم تحل لأحد قبل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا تحل لأحد بعده . لكن لو قاتل أهل الحرم ومنعوا الناس أو جاء الناس من الخارج وقاتلوا أهل الحرم هل لهم أن يدفعوا عن أنفسهم ؟ نعم يقول الله تعالى: { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم } ما قال فقاتلوهم ، اقتلوهم ، بمعنى أنه يباح دماءهم حتى بعد انتهاء القتال لأن هؤلاء مفسدون يقاتلون فيها ، لم يقل إن قاتلوكم فقاتلوهم ، قال اقتلوهم ، وهذا أبلغ .

وعليه فهذا الحديث: ( لا تَحِل لأَحَدٍ بَعْدِي ) هل نقول إنه مقيد أو نقول إن ما ذكرناه من هذه السورة الذي دلت عليه الآية لم يدخل في الحديث أصلًا ؟ الجواب: الثاني ؛ لأن الذين يقاتلون ليدخلوا الحرم أو يقاتلون في دفاع من قدم وقاتل لم يستحلوا مكة ، بل مكة عندهم محترمة لكن يقاتلون ليدافعوا عن أنفسهم إن كان المقاتلون جاءوا من الخارج ، أو يقاتلون ليتمكنوا من حقهم في دخول مكة ، والفرق بين هذا وهذا واضح .

يقول صلى الله عليه وسلم: (وَإِنَّمَا أُحِلتْ لي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ) سبق أنها من طلوع الشمس إلى صلاة العصر ( لا يُخْتَلى خَلاهَا وَلا يُعْضَدُ شَجَرُهَا وَلا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلا تُلتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلا لمُعَرِّفٍ ) هذه أربعة أشياء: لا يختلى خلاها: يعني الحشيش ، فلا يحل لأحد أن يحش من مكة ولو لبهائمه ولو ليبيعه ويقتات به . فإن قال قائل: وهل يجوز أن يرعى إبله وبقره وغنمه فيها أولًا ؟ الجواب: يجوز لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم والإبل ترعى ، وتعرفون أن الرعاة رُخص لهم بترك المبيت بمنى وتأجيل الرمي . ولا يمكن أن تكمم أفواه الإبل أو الغنم ، فهذا جائز بالإجماع رعي الغنم في مكة أو الإبل أو البقر .

ثانيًا: ( لا يعضد شجرها ) لا يعضد يعني يقطع ، والشجر ما له ساق قائم كشجر الطلح والعوشج وما أشبه ذلك لا ينبغي أن يقطع . طيب لو فُرض أن هذه الشجرة على طريق ولها غصن متدلي يؤذي المارة فهل يجوز قطعه ؟ لا يجوز ، فإن قال قائل: ألستم تجيدون قتل الصيد إذا صال على الإنسان في مكة ؟ فالجواب: نعم نجيز هذا لأنه إذا صال على الإنسان الضبع ، الضبع حلال ، وهو محرم أو في مكة صار لا يمكن دفعه إلا بقتله فله قتله . فلماذا لا تقولون في الشجرة إذا تدلى غصنها على الطريق ويؤذي المارة لماذا لا تقولون إنها صائل ؟ الجواب: أنها ليست بصائل ، نعم لو أن الشجرة لما أحست بالآدمي جعلت تمشي من أجل تؤذيه أو تعمى عينيه يجوز لدفعها قطعها أو لا ؟ يجوز . إذًا هي ليست صائلة ، لكن ماذا نصنع هل نبقي على الغصن يؤذي المسلمين ؟ نقول لا نبقيه نلويه ليًا ، يعني يحرفه إلى الجهة الأخرى كما قال الفقهاء رحمهم الله: لو تدلى غصن شجرة على جارك وجب عليك إذا طالب الجار أن تلويه حتى لا يتأذى به .

( ولا يُنفر صيدها ) أي يُطرد ، وليس مقيدًا بما قال عكرمة رحمه الله أن تطرده لأجل أن تجلس مكانه ، ما هو شرط ، لا تنفر سواء كان الصيد مستظلًا بظل شجرة أو كان على غصن يغرد أو كان على أي شيء ، لا تنفره أي تطرده . ورميه جائز أو غير جائز ؟ غير جائز ، إذا كان تنفيره حرامًا فكيف بما فيه قتله ، طيب لونفرته ثم في طيرانه اصطدم بشيء تضمن أو لا تضمن ؟ نقول تضمن لأنك كنت السبب ، لو ما رميته كان بقي مكانه فأنت السبب وأحالت الضمان على غير ممكن .

إذا قال قائل: حمامة وقعت في الدريشة نسيته ، ماذا نقول ؟ فرجة أيضًا نسيته لو أن هذه الحمامة وقعت في الدريشة هل لنا أن ننفرها أو لا ؟إذا كنت تريد أن تُغلِّق الباب باب الرخصة هل ننفرها ؟ الجواب: نعم لأن البيت بيتك وإبقائك إياها إكرام لها منك ، فإذا كنت محتاج إلى إغلاق الفرجة فلا حرج أن تغلقها ، لكن إذا أمكن أن تُغلقها برفق لعلها لا تطير فهو أولى .

فالقول: ( صيدها ) ما هو الصيد ؟ كل حيوان حلال بري وحشي أصلًا . وقوله: ( لا ينفر صيدها ) إذا كان الصيد لك تنفره صيدها أي صيد من مكة ، الطيور التي هي في الغالب في مكة لا تنفره ، إذا كان الصيد لك تنفره ؟ الجواب: نعم أُنفره وأذبحه ، كيف هذا ؟ يكون هذا بأن يدخل الإنسان بصيد من الحل ، كحمامة من الحل أو أرنب أو غزال دخل به من الحل فهي ملكه له أن يذبحها ويأكلها . وكان الناس في عهد عبد الله بن الزبير كانوا يبيعون الصيد في جوف مكة ، لكنهم يأتوا به من الحل ؛ لأنك لما أخذته من الحل ملكته صار ملكًا وليس صيدًا صيد مكة .

وقال بعض الفقهاء رحمهم الله: إذا دخلت بالصيد إلى حدود الحرم وجب عليك أن تطلقه . ـ سبحان الله ـ تطلقه ؟ إذا قدرنا أن الغزال يساوي خمسائة ريال تُطلقها ؟ إضاعة مال ، وإذا كانت إضاعة مال فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن إضاعة المال . طيب ، أتى بحمام معه من القصيم إلى أن أقارب له في مكة في القفص ، عشرين حمامة ، لما وصل بها الحرم على رأي هؤلاء الفقهاء رحمهم الله نقول: افتح القفص وخلي سبيلها ، وإن أحد أخذها مطالبة بهذه الحمامة . لكن هذا قول كما ترون ضعيف والصواب أنه يجوز للإنسان أن يدخل بالصيد إلى مكة ويبقى ملكه عليه يتصرف فيه كما يشاء .

الرابع أو الخامس ؟ ( لا يُخْتَلى خَلاهَا ، وَلا يُعْضَدُ شَجَرُهَا ، وَلا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا ، وَلا تُلتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلا لمُعَرِّفٍ ) يعني لو وجدت في مكة لقطة دراهم ألف ريال لا تأخذها إلا إذا أردت أن تعرفها ، كم ؟ قال الفقهاء: تعرفها سنة ، وقال الآخرون: تعرفها مدى الدهر حتى بعد موتك توصي بأنهم يعرفونها، أيهما أصح ؟ الثاني لا شك ؛ لأن تعريفها سنة لا يظهر امتياز مكة على غيرها تكون مكة وغيرها سواء وهذا من احترام ما في مكة .

طيب ، عرفت الآن ، قلنا عرفه مدى الدهر ، احفظه في كيس وعرفه للدهر ، أين يعرفه ؟ في مكان وجوده في مكة . نقول هذا فيه مشقة شديدة ، نقول: إذا لزم مشقة شديدة فجوابها أن تتركه . فإذا تركته أنت وجاء الثاني وتركه والثالث وتركه فسوف يعود صاحبه إليه ويجده . وهذا ممكن لما كانت مكة صغيرة ودورها صغيرة والذين فيها عندهم خشية من الله ، لكن في الوقت الحاضر الآن إذا كان في مكة من يقطع الجيب ليسرقه هل أترك هذا في الأرض يأتيه واحد ليتركه والثاني يتركه حتى يجده صاحبه ؟ لا .. اليوم إبقاء اللقطات في الأرض يعني ضياعها على صاحبها . فأنا أقول ـ لكن من فضل الله أن الحكومة وفقها الله جعلت عند الحرم عند المسجد جهة مسؤولة عن تلقي هذه الأموال الضائعة فخذها أنت وأعطهم إياها وتسلم . لو قال قائل: إذا لم يوجد هيئة تقبل هل لي أن آخذها وأتصدق بها على صاحبها ؟ هذا محل نظر واجتهاد ، قد يقول القائل نعم أخذك إياها وتصدقك بها خير من إبقائها حتى تأكلها السباع . وقد يقال: أبقها وأنت لست مسؤولًا .

قال: ( َقَال العَبَّاسُ يَا رَسُول اللهِ إِلا الإِذْخِرَ لصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا ) هذا مستثنى من قوله: ( لا يختلى خلاها ) يعني الإذخر من هذا النوع ، حشيش وعبارة عن شجرة كلها عيدان لينة وإذا يبست صارت من أحسن ما يكون للوقود تشتعل فيها النار بسرعة ، والنار في ذلك الوقت ليست كوقتنا هذا ، وقتنا هذا ماعليك إلا تطرق الزناد وتشتعل النار ، لكن هناك صعب جدًا متى يجنون الزند ومتى يقدحون ومتى تشتعل النار ، فكانوا يستعملون الإذخر . والصاغة جمع صاغ ، صواغ ، وفي لفظ ( لقيلهم ) يعني الحدادين ، ولا مانع أن يكون يستعمله الصواغ والحدادون . لكنه قال: (وقبورنا ) لصاغتنا وقبورنا ، كيف ذلك ؟ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم القبور تُحفر وتُلحد ويوضع الميت في اللحد ثم يُصف عليه اللبن ثم يوضع في خلل اللبن الإذخر ويُضرب عليه بالطين من أجل أن لا ينهال التراب على الميت في القبر فيستعملونه في القبور . كأن العباس رضي الله عنه يقول يا رسول الله هذه حاجة ملحة يحتاجها الأحياء والأموات واجتنابها صعب . فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إِلا الإِذْخِرَ ) إلا الإذخر مستثنى من قوله: ( لا يُختلى خلاها ) فاستثنى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الإذخر .

يستفاد من هذا الحديث أنه يجوز الاستثناء بعد فراق المستثنى منه وإن لم ينو المستثني إلا بعد فإنه صحيح . وهذه المسالة اختلف فيها العلماء رحمهم الله ، منهم من قال: إن الاستثناء لا يصح إلا إذا نواه المستثني قبل تمام الكلام ، فإذا قال رجل لنسائه الثلاث: أنتن طوالق . فقال له ابنه: يا أبي إلا أمي . قال: إى أمك علشانك . تطلق أو ما تطلق ؟ على القول بأنه لا بد أن ينو المستثنى قبل تمام المستثنى منه تطلق ما ينفع الاستثناء ، وعلى القول الراجح الذي هو مقتضى هذا الحديث لا تطلق لأنه استثناها والكلام لم ينفصل من بعضه .

وعليه فلا يُشترط نية الاستثناء قبل تمام المستثنى منه ولا يُشترط اتصال المستثنى بالمستثنى منه ؛ لأن بين قوله: ( ولا يُنفر صيدها ) وقوله: ( إلا الإذخر ) بينها جُمل ، لكن الكلام واحد . وهذا ينفعك في كل الاستثناءات ، لو قال رجل لآخر: عندي لك عشرة دراهم ، فقال له إلا درهمًا أوفيتنيه . فهنا لا يصلح استثناء على رأي من يرى أنه لابد من نيته قبل تمام المستثنى منه لكن يسقط الدرهم لاعتبار أن صاحبه اعترف بأنه وصله . على كل حال القول الراجح في هذه المسألة أنه لا يُشترط في الاستثناء نية المستثنى قبل تمام المستثنى منه ولا اتصاله به مكادام الكلام واحدًا .

ومثل هذا في قصة سليمان عليه السلام لما قال: والله لأطوفن الليلة على تسعين امرأة تلد كل واحدة منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله . من محبته للقتال أقسم أن يطوف على تسعين امرأة كل واحدة تلد غلامًا يقاتل في سبيل الله ، فقال له الملك: قل إن شاء الله . فلم يقل إن شاء الله ، بناء على ما في قلبه من القوة والعزم . فجامع تسعين امرأة جامعهن في ليلة ، فلم تلد إلا واحدة منهن شق إنسان . سبحان الخلاق العليم ، يريك عزته ويبدي حتى لا تتألى على الله ، اجعل الأمر منوطًا بمشيئة الله عز وجل . قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( لو قال إن شاء الله لم يحنث ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت