فهرس الكتاب
40 ـ بَاب فَضْل مَكَّةَ وَبُنْيَانِهَا
وَقَوْلهِ تَعَالى: ( وَإِذْ جَعَلنَا البَيْتَ مَثَابَةً للنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلى وَعَهِدْنَا إِلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيل أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ للطَّائِفِينَ وَالعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَل هَذَا بَلدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ قَال وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَليلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ المَصِيرُ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّل مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَليمُ رَبَّنَا وَاجْعَلنَا مُسْلمَيْنِ لكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلمَةً لكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَليْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) (1)
(1) قوله: ( بَاب فَضْل مَكَّةَ وَبُنْيَانِهَا ، وَقَوْلهِ تَعَالى: { وَإِذْ جَعَلنَا البَيْتَ مَثَابَةً للنَّاسِ وَأَمْنًا ... } ) أي اذكر ( إذ جعلنا البيت ) أي صيرناه (مثابة للناس) يثوبون إليه ( وأمنًا ) يأمنون فيه ؛ لأن هذا البيت فيه إقامة المناسك، ولولا إلقاء الأمن عليه لكان فيه الفوضى والنزاع والقتال ، لاسيما في وقتنا هذا أمم مختلفة في أجناسها وأحوالها وعاداتها ولكن الله تعالى جعله آمنًا .
{ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلى } قيل إن المراد بمقام إبراهيم كل موضع وقف فيه فيشمل عرفة ومزدلفة ومنى ، وقالوا المراد بالمصلى هنا الدعاء لأن الصلاة في اللغة الدعاء . ولا شك أن أول ما يدخل في ذلك هو المقام المعروف وأول ما يدخل في معنى المصلى الصلاة { وَعَهِدْنَا إِلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيل } أي أوصيناهما { أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ للطَّائِفِينَ وَالعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } الطائف بدأ به أولًا لأن الطواف لا يمكن إلا في هذا المكان ، ( العاكفين ) ثنى به لأن الاعتكاف لا يمكن إلا في المساجد ، (الركع السجود ) أخره لأن الركوع والسجود يكون في كل الأرض (( جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا ) )فبدأ بالأخص فالأخص .
ويُذكر أن ملكًا من الملوك نذر أن يقوم بعبادة لله عز وجل لا يشاركه فيه أحد من البشر ، واستفتى العلماء قال أفتوني في هذا النذر ، قالوا: كيف نفتيك ؟ إن كنت تصلي فربما تصادف ناس يصلون، إن صمت كذلك، إن تصدقت كذلك ، فقال أحد العلماء: أخلوا له المطاف ، يعني امنعوا الناس من الطواف وخلوه يطوف هو وحينئذٍ يوفي بنذره . صحيح هذا أو غير صحيح ؟ صحيح لأن ما في مكان يطاف به إلا هذا ، وربما يكون هذا الملك قد وقع في قلبه هذا أو لا يكون الله أعلم لكن هذا حل واضح .
بدأ بالطائفين لأنه أخص ما يكون عند هذا المسجد ، العاكفين على جميع المساجد ، الركع السجود على الأرض كلها، ثم قال عز وجل: { وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَل هَذَا بَلدًا آمِنًا ) وفي الآية الثانية: هَذَا البَلدَ آمِنًا } والثانية تدل على أنه قام هذا البد وتكون ، ( آمنًا ) وصفه البلد بالأمن ليأمن كل من فيه فالبلد نفسه آمن وما فيه آمن حتى الأعجم بمعنى حتى البهائم العجم ، حتى الأشجار ، حتى اللقطة الضائعة آمنة لأنها لا تحل إلا لمنشد . فاستجاب الله دعاءه .
{ وَارْزُقْ أَهْلهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ } ارزق أهله أي أعطهم من الثمرات ، ولا يلزم من هذا أن تكون الثمرات في نفس مكة ، يُجبى إليه كل شيء ، ولكن إبراهيم علية الصلاة والسلام قيَّد قال: {مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ } وهذا من تمام أدبه صلى الله عليه وسلم لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما سأل الإمامة في أول الآيات: { قال إني جاعلك للناس إمامًا قال ومن ذريتي } فقيد الله الإجابة فقال: { لا ينال عهدي الظالمين } يعني أجعل من ذريتك إمامًا لكن بشرط ألا يكون ظالمًا . في الدعاء الثاني تأدب إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: { وَارْزُقْ أَهْلهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ } لكن الله قال: { وَمَنْ كَفَرَ } فصارت إجابة الله في السؤال الثاني أعم وإجابة الله في السؤال الأول أخص. { قال وَمَنْ كَفَرَ } فهذا الواقع أهل الجاهلية كلهم كفار إلا من شاء الله ومع ذلك هذا البلد آمن ومرزوق أهله من الثمرات ، لكن الكافر قال فيه: { فَأُمَتِّعُهُ قَليلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ المَصِيرُ } أعوذ بالله ، وعلى هذا فيمكن أن يكون الكفار في مكة يرزقون كما يُرزق المسلمون ولكن مآلهم إلى النار . بعد هذا يعني هذه الشريعة الإسلامية مُنع الكافر من دخول الحرم قال الله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا } .
ثم قال: { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ } يعني اذكر يا محمد لهذه الأمة { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ } سبحان الله القرآن في غاية البلاغة { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ } لم يقل عز وجل وإذ يرفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت ، إشارة إلى أن مشاركة إسماعيل تبع ما هي أصل ، والأصل إبراهيم عليه الصلاة والسلام . {القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} في كلمة القواعد من البيت إشارة إلى عمل هندسي وهو أنه يجب أن يكون للبناء إذا أُريد بقاؤه قواعد تثبته ما يُبنى على سطح الأرض { رَبَّنَا تَقَبَّل مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَليمُ } هما يرفعان القواعد ويقولان هذا { رَبَّنَا تَقَبَّل مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَليمُ } لأن الله إذا لم يتقبل من العبد صار عمله خسارًا وصار سعيه تعبًا . ولهذا ينبغي للإنسان أن يسأل الله دائمًا قبول العمل . وقول: { إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَليمُ } أي المجيب كقوله تعالى: { إن ربي لسميع الدعاء } والعليم ذو العلم الواسع . { رَبَّنَا وَاجْعَلنَا مُسْلمَيْنِ لكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا } الله أكبر ، إبراهيم وإسماعيل يسألان الله عز وجل أن يجعلهما مسلمين له عز وجل لأن الإسلام له سبحانه وتعالى هو العزة والكرامة والعلو والرفعة ، واجعل من ذريتنا {أُمَّةً مُسْلمَةً لكَ } وحصل والحمد لله كان من ذرية إبراهيم وإسماعيل هذا النبي الكريم وهذه الأمة المسلمة { وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلمَةً لكَ } وهل المراد من ذرية أمة مسلمة لك يعني العرب فقط الذين هم بني إسماعيل أم من ذريتنا أمة مسلمة لك العرب في الأصالة وغيرهم بالتبع ؟ هذا هو المتعين ، وفي هذا إشارة إلى أنه لا يحمل أحد هذا الدين مثلما يحمله العرب بنو إسماعيل وإن كان يوجد من غيرهم من يحمله لكن الأصل العرب ، لا شك في هذا ، وإلا فقد حمله غيرهم كما قال الله تبارك وتعالى: { وآخرين من دونهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم } على أحد التفاسير .
يقول: { وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا } أرنا يعني بينها لنا حتى نراها ، والمناسك جمع منسك وهو مكان النسك أي العبادة ، وأراهم الله عز وجل ذلك: عرفة ، مزدلفة ، منى ، مكة ، أراهم الله ذلك { وَتُبْ عَليْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } أي تب علينا توفيقًا أو تب علينا تجاوزًا أو الأمران ؟ الأمران كما قال الله عز وجل: { ثم تاب عليهم ليتوبوا } هذه تاب عليهم أي توبة توفيق ، والمراد بقوله: { تُبْ عَليْنَا } توبة التوفيق يعني وفقنا للتوبة التي هي توبة التوفيق وللتوبة التي هي توبة التجاوز { إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } وهذا لا يخفى أنه من باب التوسل بأسماء الله تعالى المناسبة للدعاء .
سؤال: ؟
الجواب: الأنساك ثلاثة أنواع: إفراد وقران وتمتع وأن أفضلها التمتع إلا من ساق الهدي فالأفضل القران ، بل يتعين القران لأنه لا يمكن أن يحل كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم . وما هو الذي فيه الهدي من هذه الثلاثة ؟ التمتع بنص القرآن والقران على رأي أكثر العلماء ، ولكنه ليس كالتمتع في وجوب الدم كما قال الإمام أحمد رحمه الله بأنه ليس مثله لكنه يجب الهدي . والذي ليس فيه هدي الإفراد ، وسبق لنا أن القول الراجح أن المتمتع عليه طوافان وسعيان: طواف وسعي للعمرة وطواف وسعي للحج ، وأما القول بإجزاء سعي واحد ضعيف ؛ لأن حديث عائشة وابن عباس صريح في هذا والمعنى يقتضي ذلك لأن العمرة منفردة عن الحج تمامًا مستقلة وبينهما حلٌ كامل ، وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( دخلت العمرة في الحج ) )فمراده أن الصحابة لما سموا الحج وأحرموا بالحج ثم أمرهم أ يجعلوها عمرة أشكل عليهم فقال: (( دخلت العمرة في الحج ) )يعني أنها ليست بعيدة منه حتى تستنكروا هذا الشيء .