الصفحة 63 من 302

1481 حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ حَدَّثَنَا أَشْعَثُ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا قَالتْ سَأَلتُ النَّبِيَّ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ عَنِ الجَدْرِ أَمِنَ البَيْتِ هُوَ قَال نَعَمْ قُلتُ فَمَا لهُمْ لمْ يُدْخِلُوهُ فِي البَيْتِ قَال إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ قُلتُ فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا قَال فَعَل ذَلكَ قَوْمُكِ ليُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا وَلوْلا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِالجَاهِليَّةِ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ أَنْ أُدْخِل الجَدْرَ فِي البَيْتِ وَأَنْ أُلصِقَ بَابَهُ بِالأَرْضِ (1)

(1) ظاهر هذا الحديث أن جميع الحجب من البيت ؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما سألته عائشة أمن البيت ؟ قال: (( نعم ) )فنحتاج إلى بيانه في الشرح .

تعليق من فتح الباري:

قوله: ( عن الجدر ) بفتح الجيم وسكون المهملة كذا للأكثر وكذا هو في مسند مسدد شيخ البخاري فيه وفي رواية المستملي ( الجدار ) قال الخليل: الجدر لغة في الجدار . اهـ. ووهم من ضبطه بضمها لأن المراد الحجر ، ولأبي داود الطيالسي في مسنده عن أبي الأحوص شيخ مسدد فيه ( الجدر أو الحجر ) بالشك ولأبي عوانة من طريق شيبان عن الأشعث (الحجر) بغير شك . قوله: ( أمن البيت هو قال نعم ) هذا ظاهره أن الحجر كله من البيت ، وكذا قوله في الطريق الثانية ( أن أُدخل الجدر في البيت ) وبذلك كان يفتي ابن عباس كما رواه عبد الرزاق عن أبيه عن مرثد بن شرحبيل قال سمعت ابن عباس يقول لو وليت من البيت ما ولى ابن الزبير لأدخلت الحجر كله في البيت فلم يطاف به إن لم يكن من البيت.

وروى الترمذي والنسائي من طريق علقمة عن أمه عن عائشة قالت: كنت أحب أن أصلي في البيت فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فأدخلني الحجر فقال صلي فيه فإنما هو قطعة من البيت ولكن قومك استقصروه حين بنوا الكعبة فأخرجوه من البيت . ونحوه لأبي داود من طريق صفية بنت شيبة عن عائشة ولأبي عوانة من طريق قتادة عن عروة عن عائشة ولأحمد من طريق سعيد بن جبير عن عائشة وفيه أنها أرسلت إلى شيبة الحجبي ليفتح لها البيت بالليل فقال ما فتحناه في جاهلية ولا إسلام بليل . وهذه الروايات كلها مطلقة وقد جاءت روايات أصح منها مقيدة منها لمسلم من طريق أبي قزعة عن الحارث بن عبد الله عن عائشة في حديث الباب: ( حتى أزيد فيه من الحجر ) وله من وجه آخر عن الحارث عنها: ( فإن بدا لقومك أن يبنوه بعدي فهلمي لأريك ما تركوا منه فأراها قريبا من سبعة أذرع ) وله من طريق سعيد بن ميناء عن عبد الله بن الزبير عن عائشة في هذا الحديث: ( وزدت فيها من الحجر ستة أذرع ) وسيأتي في آخر الطريق الرابعة قول يزيد بن رومان الذي رواه عن عروة أنه أراه لجرير بن حازم فحزره ستة أذرع أو نحوها . ولسفيان بن عيينة في جامعه عن داود بن شابور عن مجاهد أن ابن الزبير زاد فيها ستة أذرع مما يلي الحجر وله عن عبيد الله بن أبي يزيد عن ابن الزبير ستة أذرع وشبر وهكذا ذكر الشافعي عن عدد لقيهم من أهل العلم من قريش كما أخرجه البيهقي في المعرفة عنه . وهذه الروايات كلها تجتمع على أنها فوق الستة ودون السبعة ، وأما رواية عطاء عند مسلم عن عائشة مرفوعا لكنت أدخل فيها من الحجر خمسة أذرع فهي شاذة والرواية السابقة أرجح لما فيها من الزيادة عن الثقات الحفاظ ثم ظهر لي لرواية عطاء وجه وهو أنه أريد بها ما عدا الفرجة التي بين الركن والحجر فتجتمع مع الروايات الأخرى فإن الذي عدا الفرجة أربعة أذرع وشيء ولهذا وقع عند الفاكهي من حديث أبي عمرو بن عدي بن الحمراء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة في هذه القصة: ( ولأدخلت فيها من الحجر أربعة أذرع ) فيحمل هذا على إلغاء الكسر ورواية عطاء على جبره ويجمع بين الروايات كلها بذلك ولم أر من سبقني إلى ذلك وسأذكر ثمرة هذا البحث في آخر الكلام على هذا الحديث .

الشيخ: من ثمرات هذا البحث شيء مهم أن الإنسان لو استقبل طرف الحجر مما يلي الشام ، فإن قلنا إن الحجر كله من البيت فاستقباله صحيح ، وإن قلنا إنه ليس من البيت إلا ستة أذرع وشيء فاستقباله غير صحيح ، واضح ؟ واضح .

طيب الآن إذا نظرنا إلى البلاط الموضوع وجدنا أنه دون ذلك متجه إلى نصف البناء القائم ولهذا تجد الذي يصلي حسب اتجاه البلاط تكون الكعبة قريبًا عن يمينه إذا كان قريبًا من الكعبة ، رأينا ذلك ، ورأينا الذي يكون في الصف الثاني أقرب من الإمام الذي يكون في الصف الأول لأنها تنحني ، فجعلوا قلب البناية القائمة جعلوه هو نقطة الاستقبال وعلى فيكون الحجر كله عن اليمين فيكون في هذا ترك شيء من الكعبة لا يُستقبل . وقد نُبه المسؤولون لكن بعد أن فات الأوان على هذا الذي يعتبره بعض الناس خطئًا لكنه فات الأوان والأمر إن شاء الله واسع وكلما اتسعت الدائرة هان الانحراف . الآن نراجع آخر البحث الذي وعد به رحمه الله .

تعليق من فتح الباري:

قوله: ( ستة أذرع أو نحوها ) قد ورد ذلك مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم في الطريق الثانية وأنها أرجح الروايات وأن الجمع بين المختلف منها ممكن كما تقدم وهو أولى من دعوى الاضطراب والطعن في الروايات المقيدة لأجل الاضطراب كما جنح إليه ابن الصلاح وتبعه النووي لأن شرط الاضطراب أن تتساوى الوجوه بحيث يتعذر الترجيح أو الجمع ولم يتعذر ذلك هنا فيتعين حمل المطلق على المقيد كما هي قاعدة مذهبهما ويؤيده أن الأحاديث المطلقة والمقيدة متواردة على سبب واحد وهو أن قريشا قصروا عن بناء إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأن ابن الزبير أعاده على بناء إبراهيم وأن الحجاج أعاده على بناء قريش ولم تأت رواية قط صريحة أن جميع الحجر من بناء إبراهيم في البيت .

قال المحب الطبري في شرح التنبيه له والأصح أن القدر الذي في الحجر من البيت قدر سبعة أذرع والرواية التي جاء فيها أن الحجر من البيت مطلقة فيحمل المطلق على المقيد فإن إطلاق اسم الكل على البعض سائغ مجازا وإنما قال النووي ذلك نصرة لما رجحه من أن جميع الحجر من البيت وعمدته في ذلك أن الشافعي نص على إيجاب الطواف خارج الحجر ونقل ابن عبد البر الاتفاق عليه ونقل غيره أنه لا يعرف في الأحاديث المرفوعة ولا عن أحد من الصحابة ومن بعدهم أنه طاف من داخل الحجر وكان عملا مستمرا ، ومقتضاه أن يكون جميع الحجر من البيت .

الشيخ: هذا التقييد فيه نظر لأن إيجاب الطواف من وراء الحجر إلزام للناس بما لا يلزم ؛ لأن الطواف إنما يكون بالبيت ، فالزائد لماذا يلزم الناس به لولا أنه من البيت ؟ اللهم إلا أن يكون تغير البناء بعد عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فنعم ، وإلا فقد يقال: لماذا لم يضعوا طرف الحجر أو جدار الحجر مما يلي الشام على حد الكعبة ؟

متابعة التعليق: وهذا متعقب فإنه لا يلزم من إيجاب الطواف من ورائه أن يكون كله من البيت فقد نص الشافعي أيضا كما ذكره البيهقي في المعرفة أن الذي في الحجر من البيت نحو من ستة أذرع ونقله عن عدة من أهل العلم من قريش لقيهم كما تقدم . فعلى هذا فلعله رأى إيجاب الطواف من وراء الحجر احتياطا وأما العمل فلا حجة فيه على الإيجاب فلعل النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده فعلوه استحبابا للراحة من تسور الحجر لاسيما والرجال والنساء يطوفون جميعا فلا يؤمن من المرأة التكشف .

الشيخ: تخفيفًا لئلا يتسوروا الحجر ؟ أسهل من هذا إيش ؟ أن يُهدم الزائد ويُجعل على حد الكعبة الأصلية ، ومن يتصور أن أحدًا يطوف وإذا انتهى إلى حد الكعبة الأول قفز مع الجدار ، ما أحد يتصور هذا .

متابعة التعليق: فلعلهم أرادوا حسم هذه المادة وأما ما نقله المهلب عن ابن أبي زيد أن حائط الحجر لم يكن مبنيا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر حتى كان عمر فبناه ووسعه قطعا للشك وأن الطواف قبل ذلك كان حول البيت ففيه نظر ، وقد أشار المهلب إلى أن عمدته في ذلك ما سيأتي في باب بنيان الكعبة في أوائل السيرة النبوية بلفظ لم يكن حول البيت حائط كانوا يصلون حول البيت حتى كان عمر فبنى حوله حائطا جدره قصيرة فبناه ابن الزبير .ا.هـ. وهذا إنما هو في حائط المسجد لا في الحجر فدخل الوهم على قائله من هنا .

ولم يزل الحجر موجودا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كما صرح به كثير من الأحاديث الصحيحة نعم في الحكم بفساد طواف من دخل الحجر وخلى بينه وبين البيت سبعة أذرع نظر وقد قال بصحته جماعة من الشافعية كإمام الحرمين ومن المالكية كأبي الحسن اللخمي وذكر الأزرقي أن عرض ما بين الميزاب ومنتهى الحجر سبعة عشر ذراعا وثلث ذراع منها عرض جدار الحجر ذراعان وثلث وفي بطن الحجر خمسة عشر ذراعا فعلى هذا فنصف الحجر ليس من البيت فلا يفسد طواف من طاف دونه والله أعلم .

وأما قول المهلب إن الفضاء لا يسمى بيتا وإنما البيت البنيان لأن شخصا لو حلف لا يدخل بيتا فانهدم ذلك البيت فلا يحنث بدخوله فليس بواضح فإن المشروع من الطواف ما شرع للخليل بالاتفاق فعلينا أن نطوف حيث طاف ولا يسقط ذلك بانهدام حرم البيت لأن العبادات لا يسقط المقدور عليها منها بفوات المعجوز عنه فحرمة البقعة ثابتة ولو فقد الجدار وأما اليمين فمتعلقة بالعرف ويؤيده ما قلناه أنه لو انهدم مسجد فنقلت حجارته إلى موضع آخر بقيت حرمة المسجد بالبقعة التي كان بها ولا حرمة لتلك الحجارة المنقولة إلى غير مسجد فدل على أن البقعة أصل للجدار بخلاف العكس أشار إلى ذلك ابن المنير في الحاشية .

وفي حديث بناء الكعبة من الفوائد غير ما تقدم ما ترجم عليه المصنف في العلم وهو ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر عنه فهم بعض الناس والمراد بالاختيار في عبارته المستحب وفيه اجتناب ولي الأمر ما يتسرع الناس إلى إنكاره وما يخشى منه تولد الضرر عليهم في دين أو دنيا وتألف قلوبهم بما لا يترك فيه أمر واجب وفيه تقديم الأهم فالأهم من دفع المفسدة وجلب المصلحة وأنهما إذا تعارضا بدئ بدفع المفسدة وأن المفسدة إذا أمن وقوعها عاد استحباب عمل المصلحة ، وحديث الرجل مع أهله في الأمور العامة وحرص الصحابة على امتثال أوامر النبي صلى الله عليه وسلم .

الشيخ: حديث الرجل مع أهله في الأمور العامة لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تحدث إلى عائشة في هذا الأمر العام .

المهم أن نقول الطواف لابد أن يكون بجميع الحجر ، لا إشكال في هذا لأنه أمر يسير ، وأما الرجل لو قفز وطاف على جدار الحجر لا يصح طوافه. وأما الصلاة فإنا نقول: نعمل فيها باحتياط ونقول: استقبال الحجر من الناحية الشمالية يعني استقبال طرفه غير صحيح احتياطًا ، فنحتاط للطواف ونحتاط للاستقبال .

سؤال: إذا كان الحجر كله من البيت فلا يصير من جهة الشام ركنان مثل الجهة الثانية لأن الحجر نصف دائرة فكيف يكون ؟

الجواب: هو السبب في هذا أنه لو جعلوه مربعًا يعني له زاوية لاستلمه الناس ولم يتفطنوا إلى أنه على غير قواعد إبراهيم ، هذه الزيادة هذه من أجل أن لا يتمسح الناس به .

سؤال: استلام الحجر الأسود والركن اليماني هل يستلم من الجزء المخصوص الذي يسمى الحجر الأسود أو كل الركن ؟

الجواب: يعني من فوق ومن تحت قصدك ؟ أما الحجر واضح إنه الحجر الأسود الذي عليه الطوق .

السائل: الطوق هذا لما جُعل ؟

الجواب: الظاهر أصلًا إنه جُعل لحفظ الحجر وتثبيته .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت