فهرس الكتاب
42 ـ بَاب تَوْرِيثِ دُورِ مَكَّةَ وَبَيْعِهَا وَشِرَائِهَا
وَأَنَّ النَّاسَ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ سَوَاءٌ خَاصَّةً لقَوْلهِ تَعَالى ( إِنَّ الذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيل اللهِ وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ الذِي جَعَلنَاهُ للنَّاسِ سَوَاءً العَاكِفُ فِيهِ وَالبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلحَادٍ بِظُلمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَليمٍ ) البَادِي الطَّارِي ( مَعْكُوفًا ) مَحْبُوسًا (1)
(1) يريد بهذا رحمه الله { سَوَاءً العَاكِفُ فِيهِ } أي المقيم الذي لا يخرج منه كالمحبوس يعني هو يرى أن المقيم كالمحبوس ، وأما البادي فهو الطاري ويسمى عند الفقهاء الآفاقي نسبة إلى الآفاق . هذه المسألة في الواقع اختلف فيها العلماء ( توريث دور مكة وبيعها وشرائها وأن الناس في المسجد الحرام سواء خاصة ) يعني بالمسجد الذي هو المسجد ، ( توريثها ) يعني أنها تورث ، ( بيعها وشراؤها ) بناء على أنها تُملك ، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء رحمهم الله ، فمنهم من قال: إنه لا يجوز بيعها ولا شراؤها ولا تأجيرها لقوله تعالى: { سَوَاءً العَاكِفُ فِيهِ } ، ومنهم من قال: يجوز بيعها وشراؤها وتأجيرها لأنه إذا ثبت التوريث ثبت الملك وإذا ثبت الملك صار شاملًا لملك العين وملك الانتفاع ، ومنهم من فصَّل قال: أما ملكها وبيعها وشراؤها عينًا فلا بأس به فهو ثابت ، وأما تأجيرها فلا يجوز، وأما من عنده فضل مساكن في مكة يجب عليه فتحها للحجاج فلا يختص به وعللوا ذلك بأن مكة حرم كالمساجد . وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه يجري فيها ملك العين من بيع وشراء وهبة وتوريث وغير ذلك ولا يجري فيها ملك المنفعة بل يكون صاحب البيت أحق به من غيره وإذا استغنى عنه وجب فتحه للناس يسكنونه بدون أجره .
لكن العمل الآن على أنه ملكٌ تام يملك فيه المالك العين والمنفعة ، ولهذا يجري فيه التبايع ويجري فيه التأجير والرهن والارتهان والإيقاف وغير هذا . انظر الخلاف في الشرح .
تعليق من فتح الباري:
قوله: ( باب توريث دور مكة وبيعها وشرائها وأن الناس في المسجد الحرام سواء خاصة لقوله تعالى: { إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء ... } الآية ) أشار بهذه الترجمة إلى تضعيف حديث علقمة بن نضلة قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وما تدعى رباع مكة إلا السوائب من احتاج سكن . أخرجه ابن ماجه ، وفي إسناده انقطاع وإرسال ، وقال بظاهره ابن عمر ومجاهد وعطاء قال عبد الرزاق عن ابن جريج كان عطاء ينهى عن الكراء في الحرم فأخبرني أن عمر نهى أن تبوب دور مكة لأنها ينزل الحاج في عرصاتها ، فكان أول من بوب داره سهيل بن عمرو واعتذر عن ذلك لعمر .
وروى الطحاوي من طريق إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد أنه قال: مكة مباح لا يحل بيع رباعها ولا إجارة بيوتها وروى . عبد الرزاق من طريق إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن ابن عمر: لا يحل بيع بيوت مكة ولا إجارتها . وبه قال الثوري وأبي حنيفة وخالفه صاحبه أبو يوسف واختلف عن محمد ، وبالجواز قال الجمهور واختاره الطحاوي .
ويجاب عن حديث علقمة على تقدير صحته بحمله على ما سيجمع به ما اختلف عن عمر في ذلك واحتج الشافعي بحديث أسامة الذي أورده البخاري في هذا الباب قال الشافعي: فأضاف الملك إليه وإلى من ابتاعها منه وبقوله صلى الله عليه وسلم عام الفتح: (( من دخل در أبي سفيان فهو آمن ) )فأضاف الدار إليه . واحتج ابن خزيمة بقوله تعالى: { للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم } فنسب الله الديار إليهم كما نسب الأموال إليهم ولو كانت الديار ليست بملك لهم لما كانوا مظلومين في الإخراج من دور ليست بملك لهم .
قال ولو كانت الدور التي باعها عقيل لا تملك لكان جعفر وعلي أولى بها إذ كانا مسلمين دونه . وسيأتي في البيوع أثر عمر أنه اشترى دارا للسجن بمكة ولا يعارض ما جاء عن نافع عن ابن عمر عن عمر أنه كان ينهى أن تغلق دور مكة في زمن الحاج أخرجه عبد بن حميد ، وقال عبد الرزاق عن معمر عن منصور عن مجاهد إن عمر قال: يا أهل مكة لا تتخذوا لدوركم أبوابا لينزل البادي حيث شاء .
وقد تقدم من وجه آخر عن عمر فيجمع بينهما بكراهة الكراء رفقا بالوفود ، ولا يلزم من ذلك منع البيع والشراء وإلى هذا جنح الإمام أحمد وآخرون . واُختلف عن مالك في ذلك قال القاضي إسماعيل ظاهر القرآن يدل على أن المراد به المسجد الذي يكون فيه النسك والصلاة لا سائر دور مكة ، وقال الأبهري: لم يختلف قول مالك وأصحابه في أن مكة فتحت عنوة واختلفوا هل مَنَّ بها على أهلها لعظم حرمتها أو أُقرت للمسلمين ومن ثم جاء الاختلاف في بيع دورها والكراء ، والراجح عند من قال أنها فتحت عنوة أن النبي صلى الله عليه وسلم مَنَّ بها على أهلها فخالفت حكم غيرها من البلاد في ذلك ذكره السهيلي وغيره .
وليس الاختلاف في ذلك ناشئًا عن هذه المسألة فقد اختلف أهل التأويل في المراد بقوله هنا المسجد الحرام هل هو الحرم كله أو مكان الصلاة فقط، واختلفوا أيضا هل المراد بقوله سواء في الأمن والاحترام أو فيما هو أعم من ذلك وبواسطة ذلك نشأ الاختلاف المذكور أيضا . قال ابن خزيمة: لو كان المراد بقوله تعالى: { سواء العاكف فيه والباد } جميع الحرم وأن اسم المسجد الحرام واقع على جميع الحرم لما جاز حفر بئر ولا قبر ولا التغوط ولا البول ولا إلقاء الجيف والنتن .
الشيخ: ليس هذا من لازم القول ، يقول لو قلنا بهذا ما كان لأحد أن يبول في مكة ولا يتغوط لأنها مسجد !
متابعة التعليق: قال ولا نعلم عالما منع من ذلك ولا كره لحائض ولا لجنب دخول الحرم ولا الجماع فيه ولو كان كذلك لجاز الاعتكاف في دور مكة وحوانيتها ولا يقول بذلك أحد والله أعلم .
قلت: والقول بأن المراد بالمسجد الحرام الحرم كله ورد عن ابن عباس وعطاء ومجاهد أخرجه ابن أبي حاتم وغيره عنهم والأسانيد بذلك كلها إليهم ضعيفة وسنذكر في باب فتح مكة من المغازي الراجح من الخلاف في فتحها صلحا أو عنوة إن شاء الله تعالى .
الشيخ: ما ذكر كلام شيخ الإسلام رحمه الله إلا أن ذكره أثر عمر أنه أمر بأن لا يكون عليها أبواب أيام الحج يؤيد ما قاله الشيخ رحمه الله .