الصفحة 69 من 302

44 ـ بَاب قَوْل اللهِ تَعَالى: { وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَل هَذَا البَلدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْللنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا ليُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَل أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِليْهِمْ } الآيَةَ (1)

(1) ذكر المؤلف رحمه الله في هذا الباب آيات فقط وكأنه لم يكن حديث على شرطه . ( بَاب قَوْل اللهِ تَعَالى: { وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَل هَذَا البَلدَ آمِنًا } أي واذكر إذ قال ، وإبراهيم هو الخليل عليه الصلاة والسلام إمام الحنفاء { رَبِّ اجْعَل هَذَا البَلدَ } وهذا دعاء بعد أن تم البلد {هَذَا البَلدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ } ، { وَاجْنُبْنِي } أي اجعلني أبتعد أنا وبني عن عبادة الأصنام ، والأصنام: كل ما عبد من دون الله فهو صنم سواء كان حجر أو شجر أو قمر أو شمس أو غير ذلك .

وقوله: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ } هل أجاب الله دعاءه ؟ نقول: أما من جهة بنيه من صلبه فقد أجاب الله دعاءه وأما ذريته من بعد ذلك فإن منهم من عبد الأصنام ، فقريش تعبد الأصنام ، والله عز وجل حكيم يجيب بعض الدعوات دون بعض ويجيب في الدعوة الواحدة بعضها دون بعض .

{ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْللنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ } يعني الأصنام أضلت أي صارت سببًا لضلال كثير من الناس { فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي } لأنه ابتدأ بهديه { وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } وهذه دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام دعوة رؤوفة رحيمة لم يقل من عصاني فأنزل به بأسك ، قال: {فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ليس على المعصية إلا إذا كانت المعصية دون الشرك فإن الله قد يغفرها أما الشرك فلا يُغفر ، ولكن الدعاء بالمغفرة للمشرك يعني أن يوفق للإسلام والتوحيد فيُغفر له { رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ... } إلى آخرها ، { رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ } أي جعلتهم يسكنون { مِنْ ذُرِّيَّتِي } من هنا للتبعيض والمراد بهم إسماعيل وبنوه ، وأما إسحق وبنوه ففي الشام { مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ... } نعم بوادي لأن مكة شرفها الله وادي بين الجبال { غَيْرِ ذِي زَرْعٍ } يعني لا يُزرع { عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ } وهذا فضل للبيت أنه محرم يعني تحريم تعظيم فهو بمعنى محترم وقوله: { رَبَّنَا ليُقِيمُوا الصَّلاةَ } يعني أني أسكنتهم بهذا ليقيموا الصلاة ، وفيه دليل على أهمية الصلاة ولاسيما في مكة عند بيت الله الحرام { فَاجْعَل أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِليْهِمْ } اجعل بمعنى صيِّر و ( أفئدة ) مفعولها الأول ومفعولها الثاني: ( تهوي إليهم ) أي تميل إليهم . قال: { أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ } ولم يقل أفئدة الناس لأن الحج لا يجب على كل أحد إنما يجب على من كان قادرًا .

قال بعض العلماء: لو قال أفئدة الناس تهوي إليهم وأجابه الله لوجب على جميع الناس أن يحجوا ، وفي هذا من المشقة ما هو ظاهر ، لكن الله ألهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام أن يقول: { مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِليْهِمْ } وهذا هو الواقع فما من مسلم مؤمن إلا وقلبه يميل إلى البيت الحرام ويود أن يحج كل عام ويعتمر كل شهر ، وهذا شيء ألقاه الله عز وجل في قلوب العباد ليس لأحد فيه صُنع . { وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون } أي أعطهم من الثمرات لعلهم يشكرون . وقد أجاب الله تعالى دعوته فجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ورزقهم من الثمرات كما قال عز وجل: { أو لم نمكن لهم حرمًا آمنًا يُجبى إليه ثمرات كل شيء رزقًا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون } .

سؤال: يا شيخ بارك الله فيكم ، قول إبراهيم عليه السلام: {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام } هل هذا خوف حقيقي أم هو من باب التمثيل للغير ؟

الجواب: لا .. هذا خوف حقيقي ، ولهذا الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله قال: باب الخوف من الشرك ، ثم ذكر الآية ، ثم ذكر في المسائل أنه إذا كان إبراهيم الخليل إمام الحنفاء يخاف من الشرك فما بالك بمن دونه ؟ ومن المعلوم أنه من لم يعصمه الله فلا عاصم له . فيؤخذ من هذا ما أشار إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله أنه يجب على الإنسان أن يخاف من الشرك ، يخاف من الرياء ، يخاف من العجب ، وما أشبه ذلك من أنواع الشرك. قد يقول قائل: إن قوله ( واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ) إن قوله أن نعبد الأصنام عائد على بنيه فقط لأنهم هم الذين يتصور منهم أن يعبدوا الأصنام . ويقال: إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع كونه إمام الحنفاء وإمام الموحدين لا يأمن من الشرك كل إنسان لا يأمن

سؤال: أحسن الله إليكم ، قوله ( اجنبني ) يفسره بعضهم اجعلني في جانب وعبادة الأصنام في جانب ؟

الجواب: نعم ، هذه هي .

السائل: ومثله قوله سبحانه: { ومن يحاد الله ورسوله } قال الله ورسوله في جانب وعبادة الأصنام في جانب ؟

الجواب: لا .. ومن عصى الله ورسوله في جانب لأن من يحاد الله ورسوله أعم من كونها شرك .

سؤال: عفا الله عنك يا شيخ ، هل صحيح أنه كلما ازداد العبد الطاعة ازداد خوفًا ، وكلما ازداد غفلة زاد أمنًا ؟

الجواب: صدقت ، يقولون: من كان بالله أعرف كان منه أخوف ، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى السحاب مقبلًا جعل يُقبل ويُدبر ويتغير وجهه حتى تُمطر ، ولما قالت له عائشة يا رسول الله كيف هذا ؟ قال: (( يا عائشة وما يؤمنني أن يكون فيه عذاب ) )لقد عُذب قوم بالريح وهم عاد ، لما أجدبت أرضهم وجاء هذا الهواء العاصف يحمل من الرمال والأتربة ما جعله أسود كأنه سحاب عظيم قالوا { هذا عارض ممطرنا } فقال الله تعالى: { بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها } وقال الحسن ـ فيما أظن أنه الحسن ـ: ما أمن النفاق إلا منافق وما خاف النفاق إلا مؤمن . اللهم أعذنا من النفاق والشرك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت