وطائفة أخرى جهلاء، عمي البصائر، لم ينظروا في الدنيا ولم يتكشفوا سوء حالها ومألها، برزت لهم بزينتها ففتنتهم، فإليها أخلدوا، وبها رضوا، ولها اطمأنوا حتى ألهتهم عن الله تعالى وشغلتهم عن ذكره وطاعته وحق عليهم قول الله تعالى: [نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ] [1] ، جعلهم بسبب ذلك ناسين لها حتى لم يسمعوا ما ينفعها، ولم يفعلوا ما يخلصها، وسيرون يوم القيامة من الأهوال ما ينسيهم أرواحهم ويجعلهم حيارى ذاهلين، يقول الله تعالى: [يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ] [2] ، خدعتهم الدنيا ولم ينتبهوا لها على الرغم من أنها حذرتهم من نفسها قبل ذلك وبينت لهم عاقبة من يركن إليها بقولها:
هي الدنيا تقول بملء فيها ... *** ... حذاري حذاري من بطش وفتكي
فلا يغرر كموا مني ابتسام ... *** ... فقولي مضحك والفعل مبك
وصدق من قال: اجتهادك فيما ضمن لك مع تقصيرك فيما طلب منك دليل على انطماس بصيرتك.
فهؤلاء الطائفة من الناس أقاموا الدنيا فهدمتهم، واغتروا بها من دون الله فأذلتهم، أكثروا فيها من الآمال، وأحبوا طويل الآجال، ونسوا الموت وما وراءه من أهوال ومخاوف فخاب أملهم وضل سعيهم وخسروا الدنيا وما أدركوا الآخرة.
عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأتي من الدنيا إلا ما قدر له) [3] .
(1) سورة الحشر من الآية 19.
(2) سورة الحج الآية 2.
(3) رواه الترمذي (4/642 ح2465) ، صححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (2/300 برقم 2005) .