الصفحة 147 من 173

ومن أجل ذلك كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الفضلاء عليهم رضوان الله أجمعين يتسابقون ويتنافسون في فعل الخير والتعاون والتراحم لأنهم يعلمون أن الجائزة جنة عرضها السماوات والأرض فهذا عمر بن الخطاب يستعمل رجلًا على حمص يقال له: عمير بن سعد، فلما مضت السنة كتب إليه أن أقدم علينا، فلم يشعر عمر إلا وقدم عمير ماشيًا حافيًا، عكازته بيده، وإداوته ومزوده وقصعته على ظهره، فلما نظر عمر إليه قال: يا عمير، أجبتنا أم البلاد بلاد سوء؟ فقال يا أمير المؤمنين: أما نهاك الله تجهر بالسوء؟ وتنأى عن سوء الظن؟ وقد جئت إليك بالدنيا أجرها بقرابها، فقال له: وما معك من الدنيا؟ فقال: عمازة أتوكأ عليها وأدفع بها عدوًا إن لقيته، ومزودًا أحمل فيه طعامي، وإداوة أحمل فيها ماءً لشربي وطهوري، وقصعة أتوضأ فيها، وأغسل فيها رأسي، وآكل فيها طعامي، فوالله يا أمير المؤمنين، ما الدنيا بعد إلا تبع لما معي.

فقام عمر فبكى بكاءً شديدًا ثم قال: اللهم ألحقني بصاحبي غير مفتضح ولا مبدل، ثم عاد إلى مجلسه فقال: ما صنعت في عملك يا عمير؟ قال: أخذت الإبل من أهل الإبلف، والجزية من أهل الذمة عن يد وهم صاغرون، ثم قسمتها بين الفقراء والمساكين وأبناء السبيل فوالله يا أمير المؤمنين لو بقي عندي منها شيء لأتيتك به، فقال عمر: عد إلى عملك يا عمير، فقال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن تردني إلى أهلي، فأذن له، فأتى أهله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت