ولما جاء الوحي ببراءة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بقول الله تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنْ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ] [1] ، قطع أبو بكر الصديق العطايا التي كان يعطيها لمسطح بن أثاثة بعدما خاض في عرض ابنته لكن الله سبحانه وتعالى عاتب ابا بكر الصديق على ذلك في نفس السورة التي نزلت فيها براءة ابنته، يقول الله تعالى: [وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ] [2] .
وقد نزلت هذه الآية الكريمة بعد أن تاب مسطح بن أثاثة توبة نصوحًا [3] حتى أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال: والله لأرجع إلى مسطح النفقة التي كنت أعطيه إياها ولا أنزعها منه ابدًا لأني أحب أن يغفر الله لي.
ولذلك لما كتب ابن المقري رسالة لوالده حين امتنع عن النفقة عليه يقول له فيها:
لاتقطعن عادة برّ ولا ... *** ... تجعل عتاب المرء في رزقه
فإن أمر الإفك من مسطح ... *** ... يحط قدر النجم من أفقه
وقد جرى الذي قد جرى منه ... *** ... وعوتب الصديق في حقه
فإذا بوالده يجيبه ويوضح له السبب في ذلك المنع قائلًا:
قد يمنع المضطر من ميتة ... *** ... إذا عصى في السير في طرقه
لأنه يقوى على توبة ... *** ... توجب إيصالًا إلى رزقه
لو لم يتب من ذنبه مسطح ... *** ... ما عوتب الصديق في حقه
(1) سورة النور الآية 11.
(2) سورة النور 22.
(3) انظر: تفسير ابن كثير (3/726) ، ط الحلبي ، القاهرة.