الصفحة 167 من 173

وكثيرًا ما يكون الغش في الزواج فتجد من الآباء من يخدع الشاب المتقدم لإحدى بناته فيقدم له ابنته الصغيرة البكر ويوم البناء يجدها الكبيرة الثيب فيجد بعضهم أنه لا مناص ولا هروب من هذا الزواج فيوافق وهو يتقطع حسرة وندامة، أو يريه الجميلة ويم البناء يرى أنها الدميمة القبيحة فيضطر للقبول حياءً، أو يزوجوه إياها وهي بها عيب ما أو مرض ما.

وهذا تغرير بالزوج وهو من أشد أنواع الغش؛ لأنه ينتج عنه مفاسد عظيمة كالطلاق وضياع الشباب وشتات الأسر وكان من الأحرى بالمسلمين في هذا المجال أن يقتدوا بنبيهم الصادق الأمين محمد - صلى الله عليه وسلم - وبأصحابه الأطهار الذين جعلوا الصدق سمتهم الظاهر وابتعدوا عن الغش والتغرير والخداع.

فهذا بلال بن رباح رضي الله عنه يذهب مع أخيه أبي رويحة عبد الله بن عبد الرحمن الخثعمي وهو الذي آخى الرسول بينه وبين بلال كانا قد ذهبا إلى داريا [1] في خولان لكي يخطب بلال لأخيه أبو ويحة من هذه القبيلة، فلما قدما عليهم قال بلال: متحدثًا بكل صدق وأمانة بعيدًا عن الغش والخداع والتعزير مبينًا العيوب والمساوئ تاركًا الحديث عن المزايا والمحامد كما هو حاصل اليوم في معظم الزيجات إلا ما رحم ربي.

قال لهم: أتيناكم خاطبين، وقد كنا كافرين فهدانا الله، وكنا مملوكين فأعتقنا الله، وكنا فقيرين فأغنانا الله، فإن تزوجونا فالحمد لله، وإن تردونا فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فقال لهم القوم: إنه لشرف لنا أن نزوج ابنتنا لأخي مؤذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما خرجا من عند القوم قال أبو رويحة لأخيه بلال: ألا تذكرني بخير؟ فقال بلال: صه يا أخي والله لم يزوجك إلا الصدق [2] .

(1) قرية كبيرة من قرى دمشق بالغوطة، وخولان قبيلة عربية نزلت بمصر والشام فخملت أنسابهم، انظر الجمهرة: (393) .

(2) أسد الغابة (1/243 ـ 245 برقم 493) ، بتصريف يسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت