إخواتي في الله: اعلموا أن الأموال المستخفية في الخزائن والمختبئ فيها حق المسكين والبائس، شر جسيم على صاحبها في الدنيا والآخرة؛ إنها أشبه شيء بالثعابين الكامنة في جحورها كأنها رصيد الأذى للناس، بل إن الإسلام بيّن أنها تتحول فعلًا إلى حيات قد امرقت واحتدت أنيابها تطارد صاحبها لتقضم يده التي غلها البخل كما بينت ذلك الأحاديث الصحيحة، وإن من العجب أن يشقى امرؤ في جميع ما يتركه لغيره، وبذلك يصدق قول القائل: (البخلاء يبخلون على الناس ببعض أموالهم حتى إذا ماتوا خلفوا لهم جميع أموالهم) .
إن كل ما يتعلق به البشر من حطام الدنيا سوف يتركونه لمالك السماوات والأرض وسينقلون إلى ربهم عراة لا مال ولا جاه كما خلقوا أول مرة وسيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة، فلا غرو إذا توعد الله من ينسى هذه الحقائق وينطلق في ربوع الأرض، لاهم له إلا جمع ما يضره ونسيان ما يفيده.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا) [1] ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (عاد بلالًا فأخرج له صبرة من تمر فقال ... أنفق بلالًا ولا تخشى من ذي العرش إقلالًا) [2] .
وإن للكرم مظاهر كثيرة منها:
(1) رواه البخاري (2/120) كتاب الزكاة، باب قول الله تعالى: [فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى...] .
(2) رواه الطبراني (10/192) ، وأخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد (3/126) وقال: رواه الطبراني في الكبير،
وفيه مبارك بن فضالة وهو ثقة وفيه كلام ، وبقية رجاله رجال الصحيح ، ورواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن.