فأمر هارون بأن تملأ له جرة كاملة ذهبًا فاعترض الأغنياء، إنه لا يعرف قدر الذهب يا أمير المؤمنين ولا يعرف كيف ينفقه، ولم يعبأ أمير المؤمنين باعتراض الأغنياء وأمر أحد الحراس أن يتبع الرجل ويراقبه من بعيد دون أن يراه الرجل ليرى ماذا سيصنع الفقير بالذهب، وتبعه الحارس ساعة وعاد مهرولًا يقول: يا أمير المؤمنين لقد ذهب هذا الرجل إلى مكان يكثر فيه الفقراء وأخذ ينادي قائلًا: أيها الناس، أيها الفقراء هلموا إلى رزق الله، هلموا إلى حقوقكم، فاجتمع عليه ناس كثير وأخذ يقسم عليهم الدراهم درهمًا درهمًا فما أبقى لنفسه درهمًا واحدًا منها.
فقال هارون: أسرع بإحضاره فأحضره الحارس ومثل الرجل بين يدي أمير المؤمنين فسأله: أين المال؟ فقال الرجل: رجعت به إلى صاحبه يا أمير المؤمنين، فقال هارون: ومن صاحبه؟ قال الرجل: الرزاق ذو القوة المتين الذي رزقك به، فقال هارون: لنعاملنك بمعاملة القرآن حيث يقول الله تعالى: [مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا] [1] ، ثم أمر الحارس أن يملأ له عشر جرات ذهب وأمره أن يتبعه أيضًا فتبعه الحارس وعاد إلى هارون ليقول له: يا أمير المؤمنين لقد عاد الرجل إلى سابقته، فأمره أن يحضره إليه فأحضره فسأله هارون: ما الذي حملك على ما صنعت؟ فأنشد الرجل يقول:
يجود علينا الخيرون بمالهم ونحن بمال الخيرين نجود
وهكذا يجب أن نكون أخي المسلم منفقين في سبيل الله كرماء من أهل الجود، وأن نعمل على تنمية الأخلاق الفاضلة التي نريد أن نتخلق بها بإيراد خاطرنا على ما ورد في الشرع الحكيم من ترغيب في تلك الأخلاق وترهيب من ضدها.
(1) سورة الأنعام من الآية 160.